منتديات التربية والتعليم عين آزال


منتديات التربية والتعليم عين آزال

وراء كـلّ أمّــة عظيـمة تربـيّة عظيـمة ووراء كـلّ تربـيّة عظيـمة معلّــم متمـيّز
 
البوابةالرئيسيةالتسجيلدخولتسجيل دخول الأعضاء
تعلن إدارة المؤسسة العمومية للصحة الجوارية * عين آزال * إلى علم المواطنين الكرام عن فتح نقطة مناوبة طبية بالعيادة متعددة الخدمات بن نويوة ابراهيم عين آزال ( حي حمودة ) ، بحيث سيتم التكفل بالمرضى 24 سا / 24 سا من ناحية الفحص الطبي و العلاجات العامة .********


شاطر | 
 

 لمحات من مسيرة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: لمحات من مسيرة   الأربعاء مايو 18, 2011 10:36 am

السلام عليكم
تلبية لطلب السيد أبو إياد في ركن (منتدى التكريم وتقديم الشهادات) أقدم هذه الفلاشات التي غرزت أظافرها في الذاكرة.
فكرة تدوين بعض المحطات المفرحة والمحزنة في آن معا على غرار ما يسمى بسرد وقائع من السيرة الذاتية فكرة جيدة ( وإن كانت أفراح طفولتي وصباي وشبابي قليلة، تكاد تمحوها محطات الألم والمشقة) وتدوين الأحداث لا يخلو من بعثرة، لذلك فإن سرد وقائع من الحوادث المؤلمة علامة على مصداقية السرد وعبرة لمن يعتبر مما تحدثه الهزّات في الفرد ؛ فهي رافد أساس من الروافد التي تسهم في بناء الشخصية وإمدادها بالطاقة والإرادة للتأمل وتخطيط غايات المستقبل ، وصوغ أهداف في شتى مناحي الحياة ، ومن ثمة ينشأ الدافع الذي يضطرك إلى التضحية بكل نفس ونفيس بغية تحقيق أهدافك.
ولعل إقراري بعجزي عن كتابة القصة يشفع لي في كمّ الهفوات التي قد ترتكب أثناء الكتابة.
أبدأ الحديث بسرد ثلاث محطات مؤثرة ومحزنة تتعلق بتأنيب الأطفال وضربهم، تعرضت لها في صغري، ولا أتذكر غيرها مما وقع لي مع معلمي الطفولة، لأن اجتهادي آنذاك وقاني من عنف بعض معلمي ذاك الزمان.

ــ الأولى عندما رفضتني المدرسة النظامية وسجلني خالي في كُتّابٍ لأحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، ولكن معلم القرآن رحمه الله، كان يتقزز من شحنة الحركة التي يتميز بها كل طفل، ولاشك أنني قمت بما لم يستسغه ، كالحركة على الحصير داخل الغرفة، أو مشاركتي في محاورة صبيانية بين متجاورين ...لا أدري بالضبط، لكني لا أنسى (الفلقة) وهي ضرب أخمص القدم بعصا غليظة، تتورم بعدها الرجلان لا سيما إذا كانت من معلم لا يرحم، وكنت طفلا حساسا جدا فلا يمكن أن تشعر بإحساس اليتم في الصغر إلا إذا كنت يتيما حقا ، أضف إليه أن الوالدة لم تكن تعيش معي فازدادت مشاعري رهافة.
رجعت باكيا إلى بيت خالي، وكرهت المعلم وعقدت العزم على مقاطعته، وأبلغت خالي بأني أريد البقاء معه ومساعدته في محل الصياغة شرط أن لا أرجع إلى معلم الكُتـّاب ، فوافق وكان قرار الانقطاع عن الكُتاب نهائيا، وبعد أيام جاء معلم القرآن بنفسه إلى خالي واعتذرأمامي وكان يسترضيني ويطالبني بالعودة إلى الكتاب وتعهد لنا بأن لا يضربني أبدا مرة أخرى، فاقترح عليّ خالي العودة وألح أمام هذا المعلم، ولكني صممت على الرفض وآثرت عزة النفس على العودة إليه، فقد سبق السيف العذل، حينئذ واجهه خالي بقوله: مادام لا يريد العودة إلى الكُتاب فأنا لا أجبره، وساعدني موقف خالي الداعم للبقاء معه ومعاونته في حرفته .
ــ الثانية عندما كنت في المدرسة الابتدائية (شبه النظامية وهي لا تعلم الفرنسية) ، وكنا مقبلين على امتحان الشهادة الابتدائية الذي لم يبق عليه سوى شهرين أو أقل ، وتعرفون الوشايات بين الأطفال، فقد افترى عليّ تلميذان بزعمهما أني تكلمت في المعلم وربما نقلوا له أنني اتهمته بعدم منحي العلامة المناسبة لتمرين ما، (لأنني نسيت السبب) ، ونقلا له مثل هذا الافتراء فصدّقه فورا ولم يشكك في الوشاية أو يتحرّ عن الأمر ، ومع أنه لم يلمسنى بعصاه مطلقا كما يفعل مع غيري، إلا أنه نغّص عليّ حياتي في الفترة المتبقية على الامتحان، وكان يدعو عليّ ويفتتح دروس الصباح الدينية والأخلاقية بالتمثيل بي كنموذج للتلميذ السوء ، وكلما عرض موضوعا آثر أن يستشهد بالفرية (الكذبة) ويضرب بها المثل فيقول : كما فعل زميلكم فلان.
لا تتصوروا كم أرقتني تلك الأيام، فكنت أذرف الدموع وأنا في القسم أو في البيت وأقضي نهاري مرعوبا،
كان يحلف بأغلظ الأيمان بأني لن أنجح في الامتحان ويقول لي بالعامية : ( إذا نجحت ينجح خائن السوق) .
عقـّـدتني حصصه وصدقت مفعول دُعائه، وعند اجتياز الامتحان بالعلمة (50كم عن عين أزال)، ذهب خالي مع بعض أصحابه إلى مركز الامتحان ليسمع المناداة على الناجحين وعاد في المساء يؤكد لي بأني لم أنجح.
وبما أني كنت شبه واثق من تحقق دعاء المعلم، فقد تقبّلت عدم نجاحي وغادرت الابتدائية وسجلت في مدرسة التهذيب الحرة، بالمسجد العتيق.
ولكن إرادة الله ومشيئته كانت أقوى

فبعد أسبوع أو أكثر جاء المعلم بنفسه إلى مدرسة التهذيب يحمل بيده الشهادة الابتدائية التي كنت نجحت فيها ولكن الحاضرين المتابعين للمناداة لم ينتبهوا لسماع اسمي، ولعل طريقة عرض القوائم في ذلك الوقت لم تكن متداولة، وأيضا كان عدد المرشحين للامتحانات قليل.
لقد تحول ذلك المعلم بقدرة قادر إلى مدافع عني لا سيما وأن الذين نجحوا من تلاميذه أقل من أصابع اليد، فكان يقول لي أمام الجميع: أهنئك على هذا النجاح المستحق ولولا نيتك الحسنة وطيبة قلبك ورقي أخلاقك ونقاء سريرتك لما جوزيت هذا الجزاء..... وراح يعدد مناقبي وحسناتي بدرجة قلبت رأيه السابق 180 درجة.
ــ الثالثة عند أستاذ النحو رحمه الله وذلك عند اجتياز امتحان الفصل الأخير، كنا نختبر أمام التلميذات الإناث اللواتي يجلسهن في حجرة دراسية ويدخل الذكور واحدا بعد الآخر أمامهن، وعندما حان دوري دخلت الحجرة وصعدت على المنصة فطرح علي سؤاله، بقيت مترددا برهة بين كتابة الجواب على السبورة أو الإجابة مشافهة لأنه لم يوضح طريقة الإجابة ، وكان هو من خلفي ولم ينبس لي ببنت شفة ، بل غفلني وفاجأني من الخلف في وسط ظهري بلكمة قوية أسقطتني أرضا وتوقف تنفّسي لبرهة، فلقد كانت قبضة يده كجلمود صخر، ووالله أحسست بالموت، فقد اختل توازني وتوقف خروج الهواء من رئتي، وذلك المعلم – رحمه الله - لا يحس بالشفة وليس لديه ذرة من الرحمة على تلاميذه، لكنه في نفس الوقت كان جادا حاسما صارما ومتمكنا من قواعد اللغة العربية، ومن أهم مميزاته أيضا أنه لم يكن يتقاضى مني الحقوق الشهرية التي كان يدفعها غيري، باعتباري يتيما.
يبدو أني كنت ذكيا وكنت في المستوى الذي يتوخاه كل معلم، ولكن تصرفات مثل هؤلاء المعلمين لا تنمحي من الذاكرة.
هذه محطات قاسية في مدرسة الحياة، ولا توجد وقائع أخرى مؤثرة سلبا حدثت لي مع الأساتذة والمعلمين باستثناء ما سردت، لأني أجد نفسي محظوظا وفائزا مقارنة مع غيري من الأقران الذين تمدرسنا معا عند نفس المعلمين وحكاياتهم مع العقاب المادي والمعنوي يندى لها الجبين.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الإثنين مايو 23, 2011 4:52 pm

السلام عليكم ورحمة الله
أول ندوة تربوية
قبل أن أتحدث عن فترة الدراسة ومعلميها ، أقفز عن الترتيب الكرونولوجي لأتقدم قليلا في الزمن، فأتحدث عن محطة هامة في حياتي تتعلق بأول ندوة تربوية حضرتها وعمري لا يتجاوز 19 عاما، لا أفقه في التربية والتعليم شيئا ، ولا أمتلك سوى خبرة تلقيتها عن المعلمين والأساتذة الجزائريين والمشارقة الذين تتلمذت عليهم في أساليب تعاملهم مع التلاميذ وطرائق التدريس لديهم ...الخ.
كانت أول ندوة في حياتي ببرج بوعريريج التي هي إحدى دوائر ولاية سطيف ، وكانت الندوة مخصصة على ما أذكر لمستوى السنة 4 أو 5 ابتدائي.
استهدف موضوع تلك الندوة طريقة تدريس ( مادة الأشياء) وهي تعني تقريبا مادة العلوم الطبيعية ، إضافة إلى بعض المواضيع في مبادئ الجغرافية والفيزياء...، استبدلت تسميتها في الثمانينيات بنشاط دراسة الوسط، وتغيرت التسمية مع بدء الإصلاحات – إن كانت كذلك – لتستقر على : نشاط التربية العلمية والتكنولوجية.
شاهدت في الندوة التربوية ما غيـّر نظرتي للعملية التعليمية/ التعلمية رأسا على عقب.
المشرف على العملية كان مستشارا تربويا (وهو سلك منتشر في ذلك الوقت يقوم بتكوين المعلمين جماعات وفرادى، والآن مصيره إلى الزوال)
وموضوعها يستهدف: التعرف عن الأرنب
اتفاق تام بين المعلم المطبق والمستشار التربوي، فالمعلم المطبق أحضر أرنبا حقيقيا أخرجه من داخل قفة ووضعه على مكتبه، وأحضر له بعض الحشيش والأطعمة التي يتغذى عليها أو لا يتغذى (كاللحم...).
وبعد فترة المعاينة والتأمل والتهيئة أو ما يسمى بمرحلة الانطلاق، أتت خطوة تحليل الدرس فاحتدم الحوار والنقاش التربوي بين المعلم وتلاميذه (التنافس، حب الظهور، الفضول العلمي، طرح الفرضيات...الخ)
اكتفى المعلم بتوجيه أسئلة في شكل استفهامات عن شكل ومميزات الحيوان ؟ وماذا يكسو جسمه ؟ وماذا يأكل ؟ وكيف يتنقل ؟ وأي القوائم أطول؟ ولماذا ؟ ....
دعاهم بعدئذ إلى التأكد من الفرضيات فطول الأذنين يخضع من المتعلمين إلى دليل وإثبات ومقارنته بطول آذان الحيوانات الأخرى التي عرض لبعضها رسوما، فبالعينين تمكن الجميع من النظر إلى أذني الأرنب والاستغراب من طولهما! كما دعا المؤطر بعض المتعلمين إلى لمسهما، ولمس الأرجل والمقارنة بين الأمامية والخلفية منها ، وإبداء الرأي في سبب طول الرجلين الخلفيتين وقصر الأوليين؟.
ولم يغب عن المؤطر تدوين في نفس الوقت أصدق الإجابات وأحسنها تركيبا لغويا على السبورة، وهي التي شكلت في مجملها ملخصا مرتب العناصر تضمن أهم انشغالات المتعلمين وما توصلوا إليه عن طريق الحوار.
كان الدرس في غاية الروعة رغم أن طريقة التواصل كانت حوارية ، اعتمدت النموذج البيداغوجي المتمركز حول المعلم
[ معلم / تلميذ ] أي [مرسل / رسالة / متلقي]
وتكاد تخلو من النموذجين التعليميين[ تلميذ / معلم ]، [تلميذ / تلميذ]. في حين وظفت الحواس بفعالية خلال الحصة واستقطبت الانتباه والتركيز بشكل كبير، مما ضمن للجانب الوجداني فعالية وتأثرا.

إضافة إلى دعم الدرس التطبيقي بالعرض النظري الذي ألقاه المستشار التربوي ، وكان امتدادا له، ومنه عرفتُ كغيري من الحاضرين في الندوة: أن الدرس يحتاج إلى أشياء (أي إلى وسائل ومحسوسات) وقد تلفظ المستشار التربوي بجملة لازلت أتذكرها ولم أسمعها من غيره: [ لا أشياء بلا أشياء] ومعناه: [ لا نسمي درسا بدرس التربية العلمية والتكنولوجية إذا كان يخلو من وسائل يراها المتعلم ويلمسها أو يشمها أو يسمعها أو يذوقها، أي يخضها لأكبر قدر من الحواس] ومنها يتمكن من بناء التصورات الذهنية والعلمية.
– أو على الأقل - ينظر إلى الصور ويستنطقها ويقارن ويقيس المفهوم المستهدف، ومن ثمة يقرر ويستنتج.
لم أر فرقا كبيرا بين طريقة التواصل مع المتعلمين في درس ٍ كان في سنة 1970 ، وبين طريقة التواصل المتداولة في زمان الناس هذا ، باستثناء ضبابية في تعريف بعض المفاهيم كما هو الحال في التعريفات الراهنة.
كان المستشار التربوي يحث على تدوين الهدف الخاص على المذكرة ويلح على تحقيقه في نهاية الحصة... وإذا كان جيل ذلك الوقت لا يفرقون بين المفاهيم التربوية التي يعرفها جيل الحاضر مثل: الأهداف العامة والخاصة والهدف الإجرائي والتدريس بالأهداف وبالرغبة وبالمقاربة.....، فإن نظرتهم لأساليب التواصل لم تكن بالنظرة الدونية والسطحية التي يصفهم بها معظم واضعي المناهج من اللجان المتخصصة ومن مؤلفي الكتب التربوية المعاصرة ( بغض النظر عن بعض المناهج والمرجعيات التربوية القديمة)، فيزعمون مثلا: أن المعلم القديم كان يلقـّن المعارف فقط، ولم ينصفوه، إذ أن من المعلمين من سبق زمانه ، وتفطن إلى أن التلقين لا يحقق الكفاءات التي تظهر في تصرفات المتعلمين وسلوكاتهم وقدراتهم على التكيف إلا إذا شارك المتعلم بنفسه في بناء تعلماته خطوة خطوة ، وفك كل الاستفهامات التي كان يخزّنها في ذاكرته ، ويعيد تركيبها من جديد، ومنها التصورات الخاطئة عن بعض المبادئ العلمية أو المفاهيم الميتافيزيقية التي تتداولها أسرته وأقرانه في البيت أو محيطه الاجتماعي، ويلقنها عنهم. (هدم ثم بناء).
وحذا المكونون والمؤطرون حذو هذه الأفكار في حق معلم المدرسة الابتدائية آنذاك والمدرسة الأساسية، وأصدروا أحكاما قلّ ما يقال عنها أنها مجحفة وليست صحيحة إلا نسبيا ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الأربعاء مايو 25, 2011 6:46 am

ربما يحسن أن أسرد بعض المطبات التي تعرضت لها في طفولتي، وأرجو ألا تخدش أحدا ، لا من أعضاء المنتدى الذين قد يؤولونها إلى غير ما أقصد، فبعضهم ربما لا يستسيغون ذكرها ويعتبرونها ترهات لا داعي للتمادي في سردها ،
ولا من بعض رفقاء الدرب المتواجدين بمدينتنا، أو الذين ارتحلوا إلى مدن أخرى طلبا للعيش والحياة الكريمة،
علما بأن بعضهم غادرنا إلى الحياة الأخرى رحمهم الله،
عندما سجلت في مدرسة التهذيب (بداخل المسجد العتيق آنذاك) تناهى إلى سمعي أن أستاذ العربية الوحيد بالمدرسة (المختص في النحو والصرف)
صارم وعنيف،
لا يحب الكسل ولا يهادن الأغبياء، فاستعددت أيما استعداد لهذا اللقاء وركبت صهوة التحدي والاعتزاز بالقدرات الذاتية.
دخلت حجرة الدرس في جو من المهابة والخشية، يحدوني الأمل في استكناه آفاق بلا حدود، وأتضرع إلى الله أن يفتح عليّ فتحا مبينا،
وفي ذهني ألف سؤال وسؤال.
كان الصمت الرهيب يخيم على الجميع، ولا أشعر إلاّ بقشعريرة تسري في كل أنحاء جسمي.
جلست وسط الصف المتوسط للحجرة، فرحب الأستاذ بالحاضرين، ولا أذكر هل رحب بالجدد مثلي أم لا ؟
وطفق يطرح أسئلته الهادفة إلى استذكار معلومات درس الأمس، وأسلوب المراجعة عنده أنه يختار التلميذ المجيب قبل طرح السؤال،
فإذا عجز المسؤول عن الإجابة يحيل السؤال إلى تلميذ آخر، إلى أن يوفق أحدهم إلى الإجابة الصحيحة.
هنا يأتي دور الثواب والعقاب.
يستفيد الذي تسعفه الذاكرة للإجابة الصحيحة، فيلعب دور المعاقب الجلاّد لرفقائه الذين تخونهم الذاكرة وتعوزهم الإجابة والعاجزون....
فلو افترضنا أن 5 تلاميذ جانبهم الصواب؛
فالموفق من بعدهم في الإجابة مضطر ــ لا مخيـّر ــ إلى صفعهم صفعة أو صفعتين أو ثلاث صفعات بأقسى ما يمكن،
(بقدر العدد الذي يطلبه الأستاذ من المجيب الموفق) لدرجة أن الصفعة القوية قد تسقط المتعرض لها أرضا ! ! !
وإذا أخذته الرحمة والشفقة بواحد من الخمسة أو بهم جميعا، فإنه يعيد الكرّة، أو يُعاقب بدوره، إذ ْ لو لمس منه الأستاذ تقصيرا واضحا في صفع زملائه،
فإنه يدفع مقابل تهاونه ثمنا غاليا،
كأن يختار له جلادا من التلاميذ مفـتول العضلات فيشبعه ضربا دون رحمة،
إن الموفق في إجابته مخيّر بين أمرين :[إما صافع لغيره أو مصفوع] وقلما يتدخل الأستاذ بنفسه لتنفيذ العقاب.
هذا التسلط في استثمار أسلوب العقاب، يجعل من التلميذ النجيب الملم بمعلومات المراجعة إما جلادا أو ضحية،
وعليه أن يختار.
والغريب أنه لو اختار العقاب والعنف فإنه يصير مكروها من زملائه وقد يتعرض للعداوة والضرب خارج القسم،
وويله إذا شكل المصفوعون عصابة ضده.
خلاصة القول : كان حظي تعيسا في أول يوم دلَفَتْ فيه رجلاي باب مدرسة التهذيب،
إذ نظر إليّ الأستاذ بعين الريبة ، وربما تأكد من فشلي في الإجابة [وهو يعرف أو لا يعرف أنني ضيف على المدرسة] وأشار إليّ بإصبعه وألقى سؤاله التالي: (ما اسم المكان الذي يعالج فيه المرضى؟) وبلا رويّة أو تفكير في اختيار جملة عربية فصيحة أجبته: ( السبيطار يا سيدي !! )
تعقيب الأستاذ : لغة الخـنّة (أي لغة الاستعمار) .
عرفت بعد ذلك اليوم أن الأستاذ لا يحب سماع أي كلمة تصدر عنك فيها لغة الاستدمار الفرنسي مثل:[البالو(الكرة)، البوسطة (البريد)، الفيلاج (القرية)، الماندة (الحوالة)...] وكان يعرّض المخطئ في كلمة واحدة إلى عذاب أليم، ولا يغفر أو يسمح في مثل هذا مطلقا.
أحال الأستاذ السؤال إلى أحد الطلاب (سامحناه وأطال الله في عمره) ويعرفه بأنه بارع في الصفع، فكانت الإجابة:
(يُعالج المرضى في المستشفى) .
أمره الأستاذ بأن يؤدي واجب الضيافة معي بأن يلقنني درسا لا أنساه أبدا في وجوب احترام وحب اللغة العربية وكره اللغة الفرنسية،
وأن أحتاط مستقبلا بالتعود على عدم تسمية المرافق والأشياء (المفرنسة المعربة) إلا بالعربية.
صفعني أخونا صفعة أسقطتني أرضا، وربما تورم خدي أو نزف أنفي،
أتذكر الصفعة كلما استعادت ذاكرتي تلك الفترة من مراحل الطفولة،
لقد نزلت ضيفا على المدرسة بعد زوال ذلك اليوم ، وكنت مشدوها متوترا وفي جهل مطبق بحقائق المدرسة وبما سيدور في القسم،
ورحت أستطلع المكان، وأمنـّي نفسي بترحاب من نوع ما،
وأتحضر لما يمكن أن يدور بين جدران مدرسة التهذيب التي سطع نجمها وعلا صيتها على أنها تعلم القواعد العربية
(بمقابل شهري).
وتفاجأت بأن يكون الإرهاب والتسلط هو أول درس يحتضنني .
لكن ؛ ورغم آلام الصفعة، فقد تابعت شروح الأستاذ لدرس القواعد باهتمام ودوّنت ما يمكن تدوينه،
وفهمت الدرس وحفظته بشقيه:
ــ النظري الذي خزنته في الذاكرة لأن المقاربة المتبناة كانت تهتم بالتلقين والشحن، فإذا لم تكن لديك حافظة تجمع ما يلقيه المعلمون، خسرت وضيعت.
ــ والعقابي الذي أفادني فلم أخطئ بعده لأرتقي إلى أنواع العقوبات المتدرجة الأخرى ؟؟؟
ففي اليوم الموالي وعَيْت الدرس ولم أتعرض لصفعة أخرى مذ ذلك المطب.
هذا الاستقبال الحافل بالمكرمات يا سادتي الكرام تغلغل مردوده في الهو والأنا والأنا الأعلى وليسمح لي النفسانيون على هذا الخلط ، فقد عشش كره الفرنسية في مخي ردحا من الزمن، ولم أستفد من طفولتي في قراءة هذه اللغة وضيعت كنزا نفيسا، كان يمكن أن يغني ثروتي المعرفية.
أرجو أن أكون خفيف الظل عليكم،
فما هي إلا حكايات مضحكة مبكية نملأ بها هذه الصفحات
وإلى أن يحين وقت لسرد لمحة أو رصد آخر،
دمتم في رعاية الله وحفظه.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الخميس مايو 26, 2011 6:52 pm

أستاذي عبد الهادي الفلسطيني
أشهد أنه رجل ليس ككل الرجال، كريم لدرجة التبذير كما يقال.
سمح الأخلاق متواضع.
رجل يتميز بأسمى ما تعنيه كلمة النبل.
أديب مقتدر له باع طويل في تطويع اللغة والتشجيع على الكتابة وإلقاء القصائد الشعرية،
خطيب مفوّه.
عسكري صارم منضبط أدى خدمته الوطنية.
وله أمارات ومواصفات الرياضي البارع.
جغرافي حوى دماغه المحيط محيطا على رأي شاعرنا العظيم محمد العيد آل خليفة رحمه الله،
فيزيائي كيميائي لا يشق له غبار.
جهبذ من جهابذة الرياضيات ، لا يستعصي عليه حل معادلة رياضية، يفكك أوصالها في رمشة عين.
أعتبره رساما على الرغم من إعفائه تدريسنا نشاط الرسم، ولكنه كان يخطط معالم رسم الدوال ويكتب بخط جميل فتشعر وكأنك أمام فنان ساحر.
موسوعي بأتم معنى الكلمة، وأيُّ وصف أقوله فيه بلا مجاملة ولا تدليس لا يفيه حقه.
لقد كان للرجل أياد بيضاء على الجميع عموما وفي حياتي بالخصوص.
مهما ذكرت من مناقبه الجليلة وفضائله عليّ، فإن الذاكرة لا تسعفني لسرد كل تلك المناقب، فأتذكر موقفا وتغيب عني مواقف.
إن ما درسته على يد هذا الرجل العظيم ــ بالنسبة لي ــ مكّـنني من فهم واحتواء أهداف المناهج لكل السنوات الدراسية التي لم تتح لي فرصة استكمال مناهجها، فمسيرتي المدرسية لم تتعد 6 سنوات ، وبفضله أحطت بنواتج التعلم المسطرة للتعليم الابتدائي بعد الاستقلال، وللتعليم المتوسط من أواخر سنة 1962 إلى نهاية سنة 1968.
ومناهج بلادي في ذلك الوقت لم تكن دقيقة محددة، وحتى الكتب المدرسية كانت تأتينا من مصر ولبنان وتونس والمغرب وغيرها من البلدان العربية، والأستاذ البارع هو الذي يحسن اختيار المناهج ويحسن اختيار الكتب الشارحة لها، وقد يختار لأكثر من بلد.
وربما كنت الوحيد الذي تحصل على شهادة الأهلية سنة 1968 أو هكذا يُخيّـل إليّ، لأن الذين درست معهم أعادوا السنة بينما انقطعت عن الدراسة، وانشغلت بحرفة الصائغي، إلى أن انخرطت في التعليم.
شهادة الأهلية 3 أنواع: شهادتان تشرف عليهما وزارة التربية الوطنية والتي تحصلت عليها تخلو من امتحان مادة الفرنسية، وشهادة أخرى يجتازها النظاميون ممن يدرسون اللغة الفرنسية بدءا من الابتدائي، وربما لها تسمية أخرى.
وشهادة أهلية (خاصة بالتعليم الأصلي) تشرف عليها وزارة الأوقاف، ويغلب عليها الطابع الديني.
ولهذه الفروق أثر بالغ في حرماني من استكمال الدراسة، وسيكون لذلك موعد آخر بإذن الله.
وكانت مشيئة الله أن أحظى بهكذا أستاذ لا يعدله أحد من أترابه ولا يضاهيه واحد ممن جاؤوا إلى الجزائر من دول المشرق في إطار العقود بين الدول، ومعلوم أن آلاف المعلمين والخبراء جاؤونا من مصر الشقيقة، ولكني للأسف لم أحظ بالتتلمذ على أيدي أي مصري، رغم تواجدهم الكثيف بعين أزال، إلا أن الذين تتلمذوا عليهم وعليه أكدوا أن وجه المقارنة بعيد من حيث الإحاطة بمختلف ميادين المعرفة.
قد تسعفني الأيام لسرد بعض فضائل هذا الرجل، فأوضح المناقب والخصال الحميدة واحدة واحدة بالشاهد والدليل، فعندما أقول كريما سأبين لكم موطن كرمه تجاهي قبل غيري،
وعندما أقول متواضعا فليس أدل على تواضعه أن يفتح باب بيته لثلاثة أو أربعة من الطلاب، يمدهم بدروس دعم مجانية ، ويؤلف لهم التمارين ويصحح الإجابات، وينصح ويأخذ بالأيدي، ويبادلهم الود والصداقة والأخوة ، وعيسى روابح حفظه الله (المتواجد حاليا في سطيف) كان أحد هؤلاء المستفيدين معي من خير وعلم هذا الرجل.
وعندما أقول عسكريا سأوضح علامات ذلك وتأثيره على الشباب المتمدرسين عنده، الذين لم يكن بين عمره وأعمارهم فارق كبير بل منهم من يتجاوزه عمرا.
لا أدري مصير هذا الأستاذ الفاضل، فقد غادر عين أزال في السبعينيات ثم لم يظهر له أثر،
ولكنه بكل تأكيد يستحق ألف قبلة على جبينه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الخميس يونيو 02, 2011 9:15 pm

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه ومضة أخرى من ومضات سنوات الستينيات.
ــ سنوات الدراسة الابتدائية كانت بين 1962 / 1964
ــ سنة الاضطلاع بقواعد اللغة العربية (نحوية وصرفية) سنة 64/1965 (أعفاني أستاذ اللغة بمحض إرادته من دفع حقوق التمدرس بسبب اليتم).
وهذا الموسم الدراسي 1964/ 1965 هو موسم الحفظ والتلقين بكل ما في الكلمة من معنى
كان الأستاذ ذا ذاكرة قوية، وكان يمدنا بالحِكم والأمثال ويطالبنا بحفظها، ويستكتبنا القواعد النحوية والصرفية، ويحرص على أن نحفظها حرفا حرفا، تحت التهديد والوعيد وتطبيق أنواع من العقوبات أشهرها الصفع، ينفذ العقوبات كل من فتح الله عليه بالحفظ ويستهدف الذين تهاونوا أو لم يبالوا أو لهم قصور في ذاكراتهم.
فمن الحِكم التي يطالبنا يوميا باستظهارها أو إعرابها ــ كوسيلة لإثارة الدافع ــ مثلا: (الصيفَ ضيعْـتِ اللبن.) (ما كل بيضاء شحمة ولا كل سوداء فحمة).....
ويطالب المقصرين يوميا بقراءة الأبيات الآتية دلالة على لعبهم ولهوهم وعزوفهم عن الدراسة:
إذا كنت بالليل لا أكتب ***** وطول النهار أنا ألعب.
فطورا يبطلني مأكل ***** وطورا يبطلني مشرب.
فإن دام هذا عليّ ***** فبيتي أول ما يخرب.

ولا أذيع سرا أن من بين الطلبة معنا من هم متزوجون، ويرددون هذه الأبيات.
وكمثال عن حفظ القواعد النحوية ، يسألنا ما هو عدد المنصوبات؟؟؟ فنجيبه 16 كنا نحفظ ولا نحتجّ أو نعترض سواء كانت المعلومات صحيحة أو غير ذلك ، فيطالبنا باستظهارها دون خطإ، فنسردها على النحو التالي:
1 ــ المفعول به. 2ــ المفعول المطلق. 3ــ ظرف المكان ــ ظرف الزمان. 5ــ المفعول لأجله. 6ــ المفعول معه. 7ــ الحال. 8 ــ التمييز. 9 ــ المستثنى بإلاّ. 10 ــ المصدر. 11 ــ المنادى (النكرة المقصودة والمنادى المضاف..). 12 ــ خبر كان وأخواتها. 13 ــ اسم إن وأخواتها. 14 ــ لا النافية للجنس. 15 ــ خبر كاد وأخواتها. 16 ــ ما الحجازية. (رغم أن بعض النحاة يوجزونها في أقل من ذلك بضم الأبواب إلى بعضها)
وحول الحفظ بلا فهم أذكر طريفة من الطرائف، حدث ذلك في أواخر سنة 1964 أو أوائل سنة 1965 ، زارت المدرسة لجنة تربوية من وزارة الأوقاف لم أعرف فيم إذا كان أعضاؤها جميعا من العاصمة أو بعضهم من قسنطينة، وبعد مساءلات للطلبة حول رصيدنا من المعرفة اللغوية والجغرافية والتاريخية والحساب...، وأتذكر أنهم سألوني عن الكواكب ودوران الشمس ...، فأجبتهم عن بعضها مثل عطارد والمريخ، وثمنوا إجابتي وكوفئ الأستاذ على نشاط لم يدرسه وربما لا يعرفه أصلا،باعتباره موسوعيا ومفوها في العلوم الدينية واللغوية، كما تفاجأ الأستاذ بالرد وفرح بـه، لأنه لم يلقِّــنّا هذه المعلومات وقد استقيناهاه من الكتب ومن تبادل المعلومات بين الطلبة.
اتجه أحد أعضاء اللجنة الزائرة صوب السبورة وكتب البيت الشعري التالي:
باع أمـــنا وهُــدُوًّا وخــــــــــــــلالا أخويّـــه ْ
واشْترَا ــ لفظا سخيفا ختمه في النطق ــ كِيَّه ْ.

كتبت شطري البيت وحفظتهما دون فهم ، ولا أدري هل من زملاء الدراسة من يتذكرهما الآن، لكن الفهم أدركني متأخرا ربما في الأشهر الموالية، إذ عرفت أن المقصود بالبيتين هو استنكار تبني الرئيس الجزائري بن بلة للنظام الاشتراكي، وأنه حسب رأي الشاعر نظام فاشل وهو الرأي السري لأعضاء اللجنة الزائرة بالطبع، ذلك النظام الذي جاء بديلا للأمن والهدوء وعلى أنقاض الصداقة والأخلاق الحميدة... وأدركت حينها أن الشاعر استخدم كناية في كلمة الاشتراكية، التي تضمنها عجز البيت، إذ جزأها إلى بداية الشطر الثاني ونهايته لذلك لم يكتب اشترى بالألف المقصورة كما أن مدلول نهاية الكلمة (كية) ومعناها التي تكوي وتحرق وتشوي.
العفو عن كل زلة كتابة لم أنتبه إليها ودمتم في رعاية الله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مرواني
عضو متميز جدا
عضو متميز جدا
avatar

العمر : 53
المدينة : سطيف
الوظيفة : مدير مدرسة ابتدائية
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 15/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الجمعة يونيو 03, 2011 10:28 pm

جزاك الله خيرا أخي الكريم على هذه اللمحات المفيدة من مسيرتك المباركة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   السبت يونيو 04, 2011 5:45 pm

أولا أشكر الأخ الفاضل مرواني على إطرائه ونبل أخلاقه، وأذكره بأننا افتقدناه كثيرا في الركن الذي يشرف عليه مع الأخ عرافي، فنحن بحاجة إلى جديد البرامج والمعلوماتية، وهما العضوان البارزان في هذا المجال، وأعود لاستكمال بعض المحطات الدراسية وأركز على استغلال أوقات الفراغ من طلاب ذاك الزمان.
الكتب المدرسية
المدارس النظامية في الستينيات كان يغلب عليها طابع تدريس اللغة الفرنسية أو تتساوى في الزمن مع العربية. ومن النادر أن تجد من المعربين من يسجّل من بين مزدوجي اللغة، فيستفيد من كتاب الفرنسية الذي هو في المتناول وأقرب للمناهج المسطرة آنذاك. أما المعربين الذين لم تسعفهم حظوظهم ليتمدرسوا في مدارس نظامية سواء معربة أو مزدوجة، فإنهم يتوهون بين جملة من الكتب، متعددة العناوين والأوطان والمستويات الدراسية مثل: (جداول القراءة، حدائق القراءة، القراءة الميسّرة…).
كما أن الكتاب المدرسي الجزائري غير مؤلف أو غير متوفر، بينما وسائل التعليم الأخرى تكاد تكون منعدمة.
لم أحظ برؤية منجد أو قاموس في سنوات الدراسة تلك، وكانت أول نظرة إلى منجد الطلاب وقاموس الجيب تعود إلى سنوات السبعينيات، أي عند تعييني كمعلم .
ــ سنوات الالتحاق بالتعليم الإكمالي الحر: ( بدفع مبلغ نقدي شهري).
1) السنة الأولى: 1965/1966 عند الفلسطيني ظاهر رشيد وغاب عن ذاكرتي اسمه الأول، ولكن للتاريخ لم نستفد منه، لأنه لم يكن مهتما بالتعليم ، ربما كانت له انشغالات أخرى، حتى إن بعض المواطنين والطلبة آنذاك أشاعوا عنه أنه ليس فلسطينيا، والله أعلم
2) السنة الثانية والثالثة : 1966/1967/1968 عند الفلسطيني عبد الهادي
عندما درسنا عند السيد عبد الهادي كان لدى بعض الأصدقاء مناجد سواء ملك لأوليائهم أو عثروا عليها وامتلكوها بأساليبهم الخاصة، فكان أحد رفقائي يحتفظ بقاموس في بيته ولكنه لم يظهره لي أبدا، وينقل منه مفردات على هواه ووفق اختياره ثم يأتيني بها مشروحة قاموسيا مثل:
نكأ الجرح: قشره قبل أن يبرأ. القيظ: الحر الشديد. كشّر (عن أسنانه): كشف عنها وأبداها... وهلم جرا،
وهكذا أعطاني تصورا خاطئا عن القواميس، وكان يدوّن كل مفردة غريبة ومهجورة (غير متداولة)؛ على قصاصات صغيرة من الأوراق المتفرقة (في شكل كناشة)، ويستعرضها علـيّ ونحن نتجاذب أطراف الحديث في الطريق أو تحت الأشجار أو في البراري (أماكن الحفظ والمراجعة)، والغريب أنه لا يسلمني إياها ولا يسمح إلاّ بما أنقله عنه في عجالة، مع أننا نكاد لا نفترق مع جماعة من الأصدقاء، فبقاؤنا في المدرسة لسويعات، بينما نقضي أغلب الوقت في التجوال والمراجعة، إذ باستثناء المذياع لا توجد وسيلة تسلية تبقينا في البيت، كنا نقصد البراري والحقول، وبين أيدينا وريقات أو كراريس تحمل مختلف التمارين والأسئلة التي يطرحها الأستاذ علينا في شتى الأنشطة التي يدرّسها لنا، فليس بين أيدينا مراجع تحوي تمارين محلولة أو نماذج ولا نعثر عن شخص يمتلك معرفة فنسترشد بأفكاره، كل ما نمتلكه هو إرادة فولاذية لا تقهر ولا تلين، فقد نتناقش ونتفق أو نتعارض ونفترق ولكننا في معظم الأحيان نحل المستغلقات ونحن جالسون تحت ظل شجرة أو على بساط من العشب أو بين سنابل الحقول نستنشق عبق الزهور وتشنـّف آذننا تغاريد الطيور وزقزقاتها... كم من تمارين صعبة وإشكالات لغوية عويصة نجحنا في حلها في إطار هذه اللقاءات، التي تجمع بين اثنين أو ثلاثة أو أربعة يوميا.
أذكـّـر بأن المساحة المبنية من عين أزال في الستينيات لم تكن تزيد عن عشر 1/10 مساحتها الآن، ولذلك ما أن نختار الوجهة التي نريدها حتى نجد المكان المناسب للمراجعة والراحة وللـّعب أيضا، بينما الآن يصعب العثور على مساحات خضراء، إذ لا يجد أبناؤنا موطئ قدم يرتاحون فيه ويتناقشون ويتبادلون الآراء والخبرات.
كان هذا الصديق عندما يكتب موضوعا إنشائيا في القسم أو خارجه يقحم في إنتاجه المفردات الميتة والتي لا يقبلها السياق ولا المقام، وعندما نلتقي في المساء يكثر من الافتخار بأنه استعمل اللفظة كذا واللفظة كذا ويصِرّ على أنها ألفاظ يجهلها الأستاذ ولا يفهمها لأنها مستخرجة رأسا من القاموس، ولذلك غالبا ما يجري بينه وبين الأستاذ حوار حول معاني ومدلول بعض الكلمات التي لا تخلو من غرابة وإقحام في غير محله، ويستنكر الأستاذ هذا النوع من الكتابة، ويطالبه باحترام السياق واستعمال كل كلمة وفق ما يقتضيه المقام، ثم يمنح الموضوع نقطة متدنية عقب كل تصحيح، ولكن صاحبنا يبقى مصمما على حشو وتوظيف الكلمات الغامضة، وعند قراءته بنفسه للنص الذي يكتبه نسمع نشازا ولا نفهم المعاني والغايات التي يقصدها.
أما أنا فكنت لا آبه باللفظ الميت واللغة المـحـنـّـطة، إذ كنت أقلد الجمل التي أقرأها من القصص والروايات العالمية المترجمة والتي تأتينا عن طريق لبنان ومصر، وكانت سوقها رائجة ومربحة، مما جعلتني مدمنا على قراءتها والحيازة على أعدادها المتسلسلة، صحيح لم تكن مفيدة من الناحية الدينية والاجتماعية ، إلاّ أنها علمتني توقع نهايات للأحداث وفك العقد واستخدام المخيلة ، والاستفادة من لغة القصص البوليسي والتاريخي ، الذي اكتشفنا فيما بعد أن جله يفتقد إلى المصداقية فيما يسرد.
كما أبحث عن الكتب والمجلات العربية ومنها الجزائرية القديمة التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأقرأ النصوص وأستفيد من مهارات استغلال الكاتب للّـغة العربية وتطويعها وجعلها تنساب انسياباً لا كلفة فيه. وفي كثير من الأحيان أقتبس الجمل التي تعبر عن معنى معين، وأحسن توظيفها ضمن سياق لا ينتبه له الأستاذ ولا الرفاق.
لم أتحصل على نقطة متدنية ولم أتعرض لنقد من الأستاذ، بل كان يشجعني على التجديد والمزيد من توظيف اللغة الحية المتداولة، فكان ذلك دافعا ومحركا لي للبحث عن كتب لعمالقة الأدب العربي، واقتباس جمل من كتاباتهم لاستثمارها فيما أكتب وغالبا تكون حسب مقتضيات المقام .
دمتم والسلام عليكم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الجمعة يونيو 10, 2011 5:49 pm

أفراح لم تتم
عند نجاحي في شهادة الأهلية اقترح علىّ الأستاذ الفاضل عبد الهادي الفلسطيني السفر إلى سوريا لاستكمال الدراسة وشوّقني بأسلوبه العذب إلى نوعية الدراسة هناك، متوسّما فيّ سمات النجاح والتفوق.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ، فعند ذهابي إلى مديرية التربية لاستخراج الشهادة وجدوا خطأ في كتابة تاريخ الميلاد ، فأنا مولود في 11 نوفمبر وهم كتبوا 12 نوفمبر، ورفضوا تسليمي الشهادة إلا بعد تصحيح هذا الخطأ باستخراج شهادة ثبوت الشخصية، فرجعت خائبا إلى بلدية عين أزال. وبعد أيام وجرْيٍ ومشقة استخرجت وثيقة تصحيح الخطإ. ولما أرجعتها إلى مديرية التربية، كان الوقت قد فات وغادر الإداريون المكلفون بالامتحانات مكاتبهم، واستفادوا من عطلتهم الصيفية. والذين استخلفوهم ، تذرعوا بأن عملية تصحيح الخطإ لا تعنيهم، ونصحوني بانتظار عودة المعني بالتصحيح بعد شهر. أودع الراغبون في الدراسة ملفاتهم وربما سافروا، وبقيت أنتظر، المهم أن الشهادة صُححت بعد فوات الأوان.
ولم يصدق أستاذي المحترم ما حدث، وتألم معي !!!؟
سمعت بأن معهدا إسلاميا داخليا في بسكرة، يسجل الناجحين في شهادة التعليم الأصلي، بينما شهادتي في التعليم العربي العادي، ونصحني الناصحون بأن المعهد يسجل كل الشهادات بلا استثناء، فاتكلت على الله ووصلت إلى المعهد الإسلامي ببسكرة ، أين استقبلني بعض الإداريين وأقنعوني بأن نوع شهادتي لا يخوّل لي الالتحاق بالمعهد، ولما لمسوا مني إصرارا على التسجيل ، قالوا لي انتظر عودة المدير الغائب فانتظرته حتى المساء، وعندما عرضت عليه شهادتي رفض تسجيلي بنفس الحجة، وأكد بأن كل المسجلين بالمعهد هم من حملة شهادات التعليم الأصلي، وعدت بخفي حنين.
قدّر الله وما شاء فعل.

تسرب الــــــــــيّ اليأس وفقدت الأمل، ولم أجد وسيلة سفر تقلـّــــني إلى البيت، فبتّ في منتصف طريق العودة في أحد الحمامات، في ليلة عراك حامية الوطيس مع الحشرات الزاحفة - لا تنسى -.
ولكن رُب ضارة نافعة، فقد تحقق لي بعد ذلك كل ما تمنيته في حياتي، ومنه التكوين في قسنطينة كما سيأتي.
عند تعييني كمعلم في الابتدائي وبشهادة كل المعاصرين لــي ، عملت برضى تام عن المهنة، ونجحت في كل الامتحانات الداخلية، فكان المفتشون والمستشارون يكلفوني بتطبيق الدروس كما يكلفون غيري، ولم يُعـْــــفني أيّ ٌ منهم، إلى أن حل السيد المفتش الفاضل بن يخلف الدراجي رحمه الله، وهو أشهر من نار على علم لا سيما عند معلمي ومواطني عين أزال، الذي كان يبحث عن مستشار تربوي يساعده في أداء المهمة (عن طريق الانتداب لمدة سنة واحدة ويجدد الانتداب كل سنة بطلب من المعني) وكان له صيت واسع بين المفتشين داخل الولاية وخارجها، فهو الحائز على شهادة الليسانس في اللغة والأدب، ولا أبالغ إن قلت أنه كان أقدر المفتشين على استخدام اللغة الفصيحة في التخاطب الشفوي، وأقدرهم على فهم الألسنية ونظريات اللغة، فقد درسها في الجامعة، ومنه تعلمنا علوم الفونتيكا والآلة المصوّتة ونشوء أصوات اللغة، والدراسة النحوية والصرفية ودراسة الأساليب العربية.... وخير ٌكثير كنا نجهله. وكنت لا أعرفه ولا يعرفني ولكن عندما فتـّـــــشني رحمه الله منحني أقصى علامة لم يسبق أن منحها لغيري، اختارني مستشارا له.
العمل التطوعي
خلال تكليفي بالاستشارة التربوية، اقترح علــيّ المرحوم مشاركته في أمسيات تطوعية لتكوين المعلمين والمديرين خلال الأسبوع، وزعنا المواقيت بالتناوب، وقمنا بهذا العمل على خير وجه، ولمسنا إقبالا منقطع النظير من الراغبين في تنمية ثرواتهم المعرفية. كما أسهمت هذه العمليات في تثبيت وتوسيع معلوماتي الشخصية في شتى ميادين المعرفة.
وحينما استصدرت قوانين توقف العمل بالانتداب، تحصلت من خلال الحركة التنقلية على إدارة مدرسة ابتدائية ثم نجحت في مسابقة التفتيش.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الإثنين يونيو 13, 2011 4:35 pm

التواضع شيمة العظماء، ومن تواضع للناس رفعوه
قال الشاعر:
إذا شــِئْتَ أن تَـزْدَادَ قَـدْرًا ورِفْـــعَـــةًً
فَلِنْ وتواضعْ واتْرُكِ الْكِبْـرَ والْعُجْـــبَا

ويقول آخر:
تَوَاضَعْ تَكُنْ كالنَّجْمِ لاح لِنَاظـِـــر ٍ *** على صفحـات المــاء وَهْوَ رَفِيــعُ
ولا تَكُ كالدُّخَانِ يَعْلُـــو بَنَفْسـِـــــهِ *** على طبقــات الجـوِّ وَهْوَ وَضِيـــعُ.

كما يعجبني قول الشاعر أبي نواس:
فـَقـُلْ لِـمَـنْ يَـدَّعـي في العِـلم فـَلـْسَـفـَة ً *** عَـرَفـْتَ شـَيْـئـًا وغابَـتْ عَـنـْكَ أشـياءُ
في قسنطينة وأثناء تكويني في إطار مفتش، كان جلّ المكوِّنين من ذوي الاختصاص والوزن الثقافي والشخصية الفذّة الواعية والقدرة على ممارسة التكوين، ولم يُختاروا كما هو الحال في بعض الجهات بالواسطة والمحسوبية والمحاباة.
ومن بين أولئك الرجال العظام (المرحوم بيبق موسى) أستاذ اللغة العربية.
فإذا كان بعض الأساتذة يفتقرون إلى أسلوب التحكم وبسط السلطة الأدبية على المتكونين، ويستعيضون عنها بالانفعال والغضب على الطلبة، سواء كانوا في مستوى تخصصهم أو أدنى.
فإن السيد بيبق رحمه الله ساد الطلبة بتواضعه، وغزارة علمه، وتنويعه بين أساليب التواصل وطرائق نشر المعرفة المختلفة.
فقد كان متقدما في السن، يشكو من أمراض السمنة وإجهاد المفاصل، ننتظر حصته بفارغ الصبر وما أن تبدأ سرعان ما تنتهي، وكان أحيانا يتجاوز الوقت بسبب انشغالنا بحلاوة ما يلقي، ويحتار الطلبة ويتسمّـرون مشدوهين بما حباه الله من علم غزير وتنوع في الثقافة وقدرة عجيبة على الاستحواذ على الألباب، تتحول حصته إلى منتدى للمناقشة المستفيضة والبحث المعمق. وكم يبهرك الأستاذ بيبق بموسوعيته ودعابته وقدرته الفائقة على جلب الأنظار والأسماع إليه، له صولات وجولات وكم ّ ٌ هائل من المعلومات النادرة والمنهجية العلمية.
وأنت تستمع إليه تشعر وكأنك مع مجموعة من المختصين فقد أحاط بتاريخ اللغة وقواعدها ومدلولات ألفاظها وطرائق نموّها وانتشارها، كما أحاط بأخبار الأولين والآخرين، فلن يعجزه سؤال عن الفرزدق والأخطل أو ابن هانئ الأندلسي أو ابن رشد وابن خلدون والفارابي وابن سينا...، جمع فأوعى.
يحدثك في الدين وفي الفلسفة وفي تقعيد القواعد، ويحدثك عن العلم وأثره وعن علماء الشرق والغرب -كنز ثمين - وكثير ممن كانوا معي في المركز، لازالوا أحياء يشهدون على تواضعه وسعة علمه. لذلك لن تجد خلال حصته من يمل أو يحادث زميله أو يسئ الأدب، عكس ما يفعلون مع أساتذة قليلين غيره، يحسبون أنفسهم علماء وهم ليسوا كذلك.
أحيانا كان بعض الأصدقاء يتفقون (خارج القسم ودون أن يحس الأستاذ بمقـْلبهم) على أن يستدرجوه في حصته المقبلة إلى مواضيع وثقافة عامة - تهمهم - وغير مبرمجة في المنهاج، فيسألوه مثلا عن العلماء والفلاسفة العرب....وما أنتجوه للإنسانية عموما؛ أو يطلبون منه شرح نظرية الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس أو جون ديوي أو الفرنسي رينيه ديكارت وغيرهم.... فكنا نفاجئه بالسؤال ويبهرنا بالجواب، لا نطرق موضوعا في الأدب والفلسفة والفن إلاّ وكان له فيه موطئ قدم وتحليل مسهب وإسهام متميّز.
يجلس مع الطلبة على مناضدهم، يحاور المتوسط والمتفوق على قدر من المساواة، لا يحرج أحدا، من أراد الخروج فليخرج بلا استئذان، وإذا تأخر أحدهم لا ينتبه إليه حين يدخل، ولكن المعني يحمر خجلا.
لا يولي الأستاذ هؤلاء طرفة عين مما يفعلون، فالخاسرون وحدهم لا محالة.
كان إذا استهل حصته وانسجم مع موضوعه سمعت الدرر تخرج من فيه، وخسارة أننا لم نكن نمتلك حينذاك وسائل التسجيل المتاحة لجيل الحاضر، وإلاّ ما كنا ضيّعنا كنوزا قل نظيرها.
بينما ترى في أساتذة آخرين غيره ممن هم هزيلي الفكر ينفعلون لأتفه الأسباب، ويتصادمون مع الطلبة، سواء لتصارع الأفكار أو لأن مواضيع النقاش مختلف فيها وقابلة لإعمال الذهن وللرأي والرأي الآخر، أو ربما تطور المفهوم المتناقش حوله إلى نظرية جديدة أو معدّلة، بينما يبقى الأستاذ حبيس معلوماته المحـنّــطة، ولا يلتفت للمؤلفات الجديدة التي تفضي إلى الصراع بين التقليد والمعاصرة.
ويتحول الأستاذ إلى ممتلك للحقيقة (غرورا وجهلا) بينما الحقيقة يملكها غيره، ومثل هؤلاء يعوّضون عقدة نقصهم بالانفعال والصراع مع الطلبة.
كما هو الشأن في تصرفات بعض مديري التربية التي تعبّر عن شخصية تسلطية وفي نفس الوقت فارغة من محتوى التربية!
ستكون مهمتك أكثرَ صعوبةً أو شبه مستحيلة؛ عندما تخاطب أولئك الذين لا يعرفون شيئاً ويدَّعون معرفةَ كل شيء.
الإنسان بفكره وعلمه وإنجازاته لا بخرجاته وترهاته.
جاء في الأثر: (لا يزال المرء عالما ما طلب العلم؛ حتى إذا قال علمت، فقد جهل).

وكخلاصة أقول:
لا يُــــقاد المتعلم في الابتدائي بالارتجال وقلّة الاطلاع بل بالإعداد والتهيؤ، والمعلم القادر الكفء لا يطلب الاحترام من تلاميذه بالعنف والتسلط، ولا يسوسهم بالغطرسة، بل بالطيبة وبما يمتلكه من علم وسعة اطلاع وحسن تحضير فينقادون إليه انقيادا ولــي في ذلك عشرات المواقف والأمثلة من معلمين زرتهم وأخذت عنهم نبل هذه التصرفات والصفات الحميدة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الجمعة يونيو 17, 2011 5:07 am

رسائل (طريفة وظريفة)
تبادلت رسائل - أعتز بها - مع زميل تكوين بقسنطينة توفي رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه.
كان لغويا نحويا بامتياز، نلجأ إليه إذا ما صادفتنا عَقـَـبَة إعرابية، له شأن مع أستاذ اللغة العربية رحمهما الله.
كان كيّـسا فـَـطـِـنا حقا وكان ذا نكتة ودعابة، يسرد حفظا أو يولـّـد الحكايات الطريفة،
ويلقيها بأسلوب هزلي على الزملاء، فيرتاحون من عناء البحوث وإرهاق المراجعة.
بعد تخرجنا؛ بادرت وباغته بالكتابة كعادتي مع الذين عايشتهم وانسجمت أفكاري مع أفكارهم،
ورحت أستفزه ليتحداني ويجيبني مرغما .
وكان – رحمه الله- من الذين تشرّفت وسعدت بلقاء أمثالهم واستمرّ التراسل بيننا إلى أن غيّر عنوانه،
وصارت رسائلي تـُعاد إليّ بحجّة رحيل المعني إلى مكان مجهول، فانقطع التراسل منذ ذلك الحين
((يتميز أهل الجنوب بفـَذ ْلَكاتهم وإجادتهم فنّ إلقاء النكت وسماعها، وسرعة البديهة ومهارة تهيئة جوّ الدعابة والمرح،
كما يتميّـزون بقدرتهم اللغوية والشعرية والخطابية وحسن الإلقاء وإدارة النقاشات))
وكان المرحوم آية في هذه الميادين بلا منازع، طبعا هناك غيْرُه، ولكنه كان ألطفهم وأقدرهم على إيراد الطرفة.
إليكم ردّه على إحدى رسائلي أرجو أن ينال رضاكم، ولاحظوا قدرته العجيبة على توليد النكتة الظريفة.
أشير إلى أن الرموز التي بين أقواس هي أسماء للزملاء المفتشين لم أشأ البوح بها،
فاستبدلتها بحروف بين قوسين وهم في الحقيقة من أعزّ الأصدقاء، وشدّدوا ملاحظتكم حول الاسم الذي أخطأ في كتابته وهو: (ب/السعيد) واسمه الحقيقي(ب/محمدSmile

الرسالة رقم 1:
بسكرة يوم 24-7-1984 من (س/ب) إلى الزميل الكريم داود السعيد
لقد وصلتني رسالتك القيمة، وأشكرك على إطرائك لي وثنائك علـيّ وإعجابك بمواهبي،
وإن كنت أنا كما تعلم أعظم بكثير مما ذكرت وأشد ذكاء وعبقرية مما تعتقد،
ورغم هذا فإنني سأنظر إليك بعين العطف، وأمنحك شرفا بأن أعترف لك بمستواك الممتاز في الذكاء والعبقرية،
ولكنك رغم ذكائك فأنت أقلّ مني بكثير من حيث الذكاء، أستغفر الله؛ بل يجب ألاّ تحدثك نفسك بأن تقارن بيني وبينك،
وإنما المقارنة بينك وبين (ع/م) و(ح/ن) أو (ب/السعيد) و (م/س)، وإنني أردت أن أكتب لك رسالة آية في السحر والبيان،
والروعة والبلاغة؛ لكن حال دون ذلك شيآن:
أولهما: علوّ منزلتي كما تعلم، ونبوغي وعبقريتي في الأدب، فهذا العنصر حال دون كتابة هذه الروائع،
لأنني أسمى وأعلى من أن أكتب رسالة بليغة.
وثانيهما: الفرق الرهيب والبون الشاسع بين مستواي ومستواك،
بحيث إنني إذا تركت لعبقريتي العنان في الكتابة فلن تفهم شيئا مما أكتبه لك.
صدقني لقد جرّبت ذلك مرة وكتبت رسالة أدبية بليغة إلى أحد الزملاء،
وبعد كتابتها تلوتها على نفسي فلم أفهم منها شيئا، فقلت لنفسي:
إذا كنت أنا قد تساميت وتعاليت على نفسي، ولم أفهم ما كتبته أنا بنفسي، فكيف بزميلي محدود الذكاء، فلم أبعث له بتلك الرسالة.
وعرضتها على بعض الزملاء عساهم يُـفهموني محتواها، فعجزوا كلهم، فعرفت حينذاك أن العبقرية تتمـرّد أحيانا على صاحبها وتحتقر غباءه، وتنفصل عنه، ويتيه في ضباب العبقرية المعتوهة.
أخي وزميلي داود السعيد كل ما كتبته لك أعلاه للدردشة والتسلية، أما الجــد، فإن الزميلين: (ع/م) و ( ب/ السعيد)
بعثا لي برسالتين كل منهما يحملني تبليغ التحية إلى كل زميل أراسله دون تمييز،
ولذا أبلغك تحياتهما، وتحيات (خ/ش) وعليك برد الجواب
يـــا أخانا...... أعرب يا أخانا.
يـــا أخينا...... أعرب يا أخينا.
يـــا أخونا...... أعرب يا أخونا.
ومعذرة عن رداءة الخط لأنني كتبتها مستعجلا.
فرحت برسالته وكتبت له ردا أكثر استفزازا واستشاطة للغضب الإيجابي،
ولعل ظاهرة طغيان النسيان عليه جعلته يخطئ في اسم أحد أصدقائنا المدعو (محمد)
وهو غيّــر اسمه إلى (السعيد) فوبخته على قصر ذاكرته[من باب الاستفزاز ليس إلاّ] ووصمته
بكثير من الصفات التي تحجب عنه صفة الذكاء والنبوغ... اتخذت كثرة نسيانه مطية وحُجة لأبرهن
أنه ليس أهلا ليكون عبقريا لأن العبقري لا ينسى مهما عظمت أمامه الرزايا والمشقات.
ثم أكدت له بأني أفضل منه وإن شخصيتي ملأت سماءه وفكره وأن اسمي عشش في ذاكرته بدرجة أنه
لا يستطيع محوه أو نسيانه، ولذلك صار ينسى أسماء الأصدقاء ويستبدلها باسمي،
مما يؤكد أن سيطرة اسمي على عقله الباطني دلالة على تفوّقي،
وأن كل الحجج التي أتى بها على أفضليته ونبوغه وعلوّ شأنه غير صحيحة.
فكانت رسالته التالية مجلية للأمر مبررة للأسباب، ويزداد تمسكا بصفة العبقرية والنبوغ.

الرسالة رقم 2:
بسكرة في 24-8-2011 من (س/ب) إلى الزميل الكريم داود السعيد
سلاما من رياح الجنوب أحــرّ*** وأشواق إليك بها يا داود أ ُقـرّ
وتحية من نسيـم الشمال أرق *** فأنت بها يا داود أحــــــــــــــقّ
إن أول وتالي وآخر ما لاحظته في رسالتك، لطافة النكتة، ورقة الأسلوب ودقة التعبير وموضوعية النقد النزيه.
ومن أطرف ما لفت انتباهي ملاحظتك بأني نسيت اسم أخينا (ب/محمد) وكتبت بدلا عنه (ب/السعيد)
فهذا يا أخي ليس نسيانا وإنما عمَدت إليه عمْدا أو قل تعمّدته تعمّدا، حتى أختبر مدى اهتمامك برسالتي،
وهناك احتمال آخر –وهو الأرجح- حيث سيطر اسمك الكريم على ذهني عندما كنت منهمكا في كتابة الرسالة إليك،
وهناك احتمال ثالث {وهو الأصح والأوكد} فعسى أن يكون بل من المؤكد أن اسمه السعيد،
ونسي هو هذا الاسم ولمّـا نسيَه عُـوض (بمحمد) وأنا أجزم وأصرّ أن اسمه [ب/ السعيد] بدل [ب/ محمد]
حتى ولو أصررتَ أنت وهو وأبوه وجميع أقاربه ومعارفه والبلدية وجميع الوثائق التي يملكها على أن اسمه[ب/ محمد]
فإنني أصر على يقيني بأن اسمه [ب/ السعيد] ودليلي القاطع وبرهاني الساطع على ذلك هو أنه :
لولا أن اسمه [ب/ السعيد] لما انزلق قلمي وكتب [ب/ السعيد] بدل [ب/محمد] كما تد ّعي أنت وجميع من ذكرتـُهم آنفا،
وهذا الأمر في الحقيقة بديهي لأنه لا يمكن أن أ ُكذ ّب نفسي وأصدّق الغير مهما كان هذا الغير.
وهاك يا داود البرهان المنطقي على صحة وصدق ما أقول:
(إن الانسان إذا اعتراه شك فيما يقوله هو نفسه، فكيف يتيقـّن ويطمئن إلى ما يقوله الآخرون).
وإن لم تقتنع يا صديقي فاسأل (ح/ن) ينبئك بالخبر اليقين.
أما باقي النقد الذي تضمنته رسالتك فإني أعتزّ به، وعذري الوحيد هو أن الرسالة السابقة قبل هذه،
كتبتها وأنا في مركز البريد ومستعجل في انتظار مكالمة هاتفية هامة (جدا جدا جدا) كما يقول أخونا....
أما ملاحظاتي وانطباعاتي حول رسالتك،
فإني عندما كنت أقرأ سطورها تحولت في يدي إلى داود السعيد بلحمه وشحمه ودمه وفكره،
وكلماتها نبرات صوته ترن في أذني، وتنقلني إلى جو المركز بما فيه من زملاء عمل وبحوث ...
تقبل تحيات إخوتك وزملائك فلان وفلان وفلان..... وختامهم أخوك داود السعيد
ولا تستغرب أن ترسل تحيتك لنفسك، لأن الإنسان أخو نفسه ويمكن أن يكون قبل نفسه {هكذا تقول الرياضيات الحديثة}.
انتهت الرسالة، ولا أدري إن كان ما أنقله في ركن المتقاعدين هذا ملفتا للنظر أم أنه لا يترك أي انطباع،
إذ لا يوجد تفاعل مع هذا الركن ! ، لا من المتقاعدين ولا من النشطين العاملين في الميدان.
المهم؛ - هذه رسائل زمان- أرجو أن يقرأها واحد ولو صدفة، وتنال إعجابه كما نالت إعجابي.
ودمتم في رعاية الله وحفظه.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الإثنين يونيو 27, 2011 6:03 am

لست مرتاحا هذه الأيام من صدور حكم في المحكمة ضيـّع حقـّي الذي كان ساطعا سطوع الشمس، ولكن المحامين أتعبوني معنويا وأدخلوني في متاهات أسست للباطل وكرّسته، ورغم أن إيماني بالله لا يتزعزع لقوله تعالى في سورة التوبة:{ قل لن يصيبنا إلاّ ما كتب الله لنا} إلا أن الأرق وسيطرة مفهوم الظلم على تفكير الإنسان، يحرمه من النوم والتلذذ بالأكل أياما وليال طويلة إلى أن يشاء الله، الذي أتضرع إليه دائما أن يرفع هذا الضيم بعجائب قدرته وعدله ولطفه.
وسأقتنص هنيهة قصيرة للفرار من التفكير في هذا الأذى إلى التفكير في أيام الطفولة والرشد.
شتان بين الثرى والثريا
عندما كنا عند السيد عبد الهادي الفلسطيني، اختير لنا معلم جزائري يدرس مادة الاجتماعيات، كان ذا صوت خافت وكان عبدا لكراسه، لا يقول جملة أو يكتبها أو يُمْليها إلا من كراسه الذي دوّن فيه خلاصات عندما كان طالبا في أحد المعاهد الإسلامية.
وكان الطلبة يتندرون به ويقولون:{ العلم في الرأس وليس في الكراس} ولهذا كان هذا الأستاذ يتعرض للسخرية والاستهزاء والانتقاد من الطلبة، جلّهم يتعمّدون إحداث الصخب والضجيج أثناء حصته فنكاد لا نسمع شيئا مما يقول زيادة على خفوت صوته، وكنت عكس الطلبة جميعا وبشهادتهم الآن، أهتم بما يقرأ وألخص ولا أترك جملة مما أسمعه يتلفظها أو يمليها إلاّ وكتبتها، وفي البيت أراجع ما كتبت لعلني أفهم أو أربط الأحداث التاريخية والوقائع الجغرافية، لذا كان الطلبة يتندرون علـيّ أيضا، ويقولون بأنني لا أستفيد شيئا فلماذا أتعب نفسي وأتابع وألخص، ولا يتركوني وشأني. لذلك كان هذا الأستاذ أطال الله في عمره، يشكوهم إلى الأستاذ السيد عبد الهادي الذي يدرس لفوج آخر في حجرة أخرى جوارية، وكان نحيفا لا يختلف جسميا عن أكثر تلاميذه، والعجيب أنه يساعد الأستاذ الجزائري، ويأتي إلينا من حجرته منفعلا يوبخ المشاكسين ويبسط النظام والهدوء، وطبعا هو يعرف أني لست مشاغبا، فعندما يقف على المنصة ترتعد فرائسهم ويطبق الصمت الرهيب، تسمع طنين الذبابة إذا طارت، ربما كان يضرب بعضهم بأخذه إلى الحجرة الأخرى - لا أتذكر- (لأنني لا أقوم بأي عمل يغضب الأساتذة) ولكن الشخصية القوية قوية في كل وقت وحين، ووقوف السيد عبد الهادي وحده على المنصة كاف لنشر الانضباط وعودة الهدوء، ثم يغادر عائدا إلى حجرته ويرجع مرة أخرى لبسط الهدوء كلما اقتضى الأمر.
القدرة على التحكم تنشأ أساسا من القدرة على التحضير الذهني، فضلا عن الإعداد المادي(الخرائط، الرسوم، بعض الصور للمعالم التاريخية والجغرافية...) لأن الطالب أو المتعلم عموما ينشغل بالحركة وينشط انتباهه كلما حدث حادث يثير الفضول، ورغم أن السيد عبد الهادي لم يدرس التاريخ الجزائري، إلا أنه ألمّ بكثير من المواقف التاريخية التي تجعل الطالب الجزائري عندما يسمعها منه يقف حيالها واجما مبهورا.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الثلاثاء يونيو 28, 2011 6:11 am

إحياء المناسبات الدينية والوطنية
رغم أن مدرسة التهذيب لم تكن نظامية تشرف عليها الدولة، إلا أنها كانت متقيدة بالنظام المدرسي العام والنظام السياسي للدولة، وكان السيد عبد الهدي الفلسطيني،
محترما لتعليمات اللجنة المسيّرة للمدرسة، فاهتم ببناء رجل مستقبل الدولة الجزائرية،
ما له من مسؤوليات وما عليه من واجبات، بناء جيل من الشباب يتصدى لمختلف ميادين الحياة،
لذلك أقحمنا في جل البرامج الخاصة بتكوين الرجال، ومنها إحياء المناسبات الدينية والوطنية.
ورغم أنني كنت أكثر الطلبة خجلا – حتى من الوقوف أمامهم – إلاّ أنه كلفني وشجعني على كتابة خطاب ديني
ألقيه في المسجد العتيق الذي كان منبره في الطابق الأول، بينما كان الطابق الأرضي عبارة عن ناد (مقهى)،
وعندما كتبت ما وددت إلقاءه في المسجد على مسامع المصلين، استحسن الموضوع، وأدخل عليه كثيرا من التصويبات،
وصحّح بعضا من الجمل الخطابية، ودرّبني على الإلقاء المؤثر، وكان يستمع لما أردده على مسمعه ويصوّبني،
لأنه يحرص على أن يظهر تلاميذه بوجه لائق وقدرة خطابية مبهرة.
صحيح أن الخطبة كانت بالعربية الفصيحة والمستمعون أغلبهم من الأميين، لأن الأمية كانت متفشية في ذلك الوقت،
لكني أيقنت بعدها أن كتابة الخـُطب وإلقاءها مهارة وفنّ.
مهارة تمدك بالشجاعة الأدبية لتقف بين يدي جمهور لم تتعود أن ينصت إليك،
ولا تدري نوع الكلمات المفهومة أو الغامضة التي تلقيها فترضيهم أو تعكر مزاجهم.
واعتلاؤك مكان الصدارة (في عمر الزهور) لتكون الأنظار شاخصة إليك، وأنت فتى يافع، موقف رهيب.
وفـنٌّ لأنك تختار من الألفاظ والجمل ما يمَكّنُك من دقّ ناقوس الخطر لأي موضوع تتناوله، بحنكة وحكمة.
المهم أن الأستاذ كان يهتم بإبراز طاقات الشباب، ويقحمهم في شتى مناحي الحياة،
ومنها التدرب على شحن العواطف وقيادة الآخرين، فجزاه الله خيرا.
تدريبات عسكرية
كنا نسمع عن فرع الكشافة ولم يسبق لي أن انضممت إليه،
ولكن السيد عبد الهادي مكّـن أفواج طلبته من التدرب على الحركات الاستعراضية العسكرية المنظمة،
وكان يقوم بتدريب من يثق في قدراتهم التدريبية العسكرية ليؤطروا زملاءهم،
والذي أدى الخدمة الوطنية يدرك ما أقصد: أصول المشية العسكرية،التحية،
الدوران يمين أو شمال، إحداث إيقاع بضرب الأقدام على الأرض في تناغم موحد،
السير مثنى مثنى مشية عسكرية تنشد خلالها الأناشيد....الخ،
ولعل أهم الأناشيد الوطنية والقومية حفظناها على يديه، ومنها:
نشيد موطني للشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان
مَوطِنِي، مَوطِنِي، مَوطِنِي، مَوطِنِي
الجـلالُ والجـمالُ والسَّــنَاءُ والبَهَاءُ
فـــي رُبَــاكْ فــي رُبَـــاكْ
والحـياةُ والنـجاةُ والهـناءُ والرجـاءُ
فــي هـــواكْ فــي هـــواكْ
هـــــلْ أراكْ هـــــلْ أراكْ
سـالِماً مُـنَـعَّـماً وَ غانِـمَاً مُـكَرَّمَاً
هـــــلْ أراكْ فـي عُـــلاكْ
تبـلُـغُ السِّـمَـاكْ تبـلـغُ السِّـمَـاكْ
مَوطِنِي، مَوطِنِي، مَوطِنِي، مَوطِنِي
الشبابُ لنْ يكِلَّ هَمُّهُ أنْ تستَقِـلَّ أو يَبيدْ
نَستقي منَ الـرَّدَى ولنْ نكونَ للعِــدَى
كالعَـبـيـــــدْ كالعَـبـيـــــدْ
لا نُريــــــدْ لا نُريــــــدْ
ذُلَّـنَـا المُـؤَبّـدا وعَيشَـنَا المُنَكَّـدا
لا نُريــــــدْ بـلْ نُعيــــدْ
مَـجـدَنا التّـليـدْ مَـجـدَنا التّليـدْ
مَوطِنِي، مَوطِنِي، مَوطِنِي، مَوطِنِي
الحُسَامُ واليَـرَاعُ لا الكـلامُ والنزاعُ
رَمْــــــزُنا رَمْــــــزُنا
مَـجدُنا و عـهدُنا وواجـبٌ منَ الوَفا
يهُــــــزُّنا يهُــــــزُّنا
عِـــــــزُّنا عِـــــــزُّنا
غايةٌ تُـشَــرِّفُ و رايـةٌ ترَفـرِفُ
يا هَـــنَــاكْ فـي عُـــلاكْ
قاهِراً عِـــداكْ قاهِـراً عِــداكْ...
فكنا نرتدي ألبسة خاصة ونمشي في الطريق وننشد بأصوات قوية مدوّيـة.
ولا زلت أذكر ارتداءنا لتلك الملابس وإحساسنا بجذوة النصر وفرحتنا بمشاركتنا الجماعية في إحياء المناسبات، حيث يرانا المواطنون – ونحن نطبق مشية لم يعهدوها-
وننشد أناشيد تطرب المرافقين وتشنف آذان الفضوليين الذين يُـطِلُّـون من منازلهم أو مقاهيهم أو دكاكينهم،
لقد كانت أيام سعادة، وسي عبد الهادي كان هو كاتبها ومعدها ومخرجها، وكنا المطبقين الطائعين.
رفع الله قدرك يا نبيلا، مرّ ذات يوم من هنا.
دمتم في رعاية الله وحفظه وإلى لقاء مع ومضة جديدة من ومضات المسيرة متى ما سنحت الفرصة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الخميس يونيو 30, 2011 6:48 pm

حدث هذا بمنتدى التربية بعين أزال
عندما كان صندوق الرسائل الخاصة بمنتدى التربية لعين أزال مفتوحا، كان بعض الأعضاء يراسلوني فيه ويطرحون قضايا تربوية أو إدارية وغيرها... وأنا أعتز بما كتبوه جميعا، إلاّ أن أحدهم فاجأني ذات مرة برسالة (أوائل 2007)، بحثت عنها مرارا ضمن صندوق البريد الوارد لأظهرها لكم كما هي ، ولكنها ضاعت مع كل المراسلات التي اعتقدت أن صندوق الوارد يحتفظ بها ! ، ولعل سبب حذف الرسائل هو التخفيف من تثاقل المنتدى عند الإبحار فيه، غير أني أستبعد ذلك !
تلك الرسالة بالذات لا أنساها لسببين:
1- إنها تذكرني بمعلم كان يتفنن في تعذيب الأطفال [رغم انتحاله لاسم مستعار]، ومن خلال قراءتي لرسالته ربطت القرائن ببعضها، وأزعم أنه هو، فقد كان الأولياء وأبناؤهم المعذبون يمتطون سياراتهم ويتجهون صوب المفتش، ويعرضونهم عليه، ليؤكدوا أمارات الضرب والتعذيب التي تظهر على أجساد أبنائهم صارخة،
وبعضها في أماكن من الجسم لا يتخيلها خيال إنسان عاقل،
وكان صاحب الرسالة واحدا من الذين يشكوهم المديرون دوريا، ويتخوفون من أن يقوموا بجريمة داخل الحرم المدرسي.
2- إنه ما أن رأى اسمي في الموقع حتى أصابه الذهول وصعق ونسي أنه معلم، فكتب لي يقول ما ملخصه (وقد ضاعت الرسالة): أنتم أينما نذهب نجدكم أمامنا حتى في الأنترنيت،
تقاعدوا واتركونا،
غادرونا وابتعدوا عنا،
فإن لم تسارع إلى التقاعد باختيارك،
فسنضطر إلى طردك بالراية الحمراء.

ومع تقديري واعتزازي بالشاعر الذي قال:
إذا نطق السفيه فلا تجبه ***** فخير من إجابته السكوت
فإن كلـّمته فرجـْت عنْــه ***** وإن خليته كمداً يموت!

إلا أني أجبته في بريده برسالة شجعته فيها على أن يكتب وأن يسهم في بناء الموقع والارتقاء بالمنتدى إلى ما يحبه الله ويرضاه، وتعهدت له بأني لا أعقب على ما ينشره، لا سلبا ولا إيجابا المهم أن يكتب ولا يبالي بحضوري أو غيابي.
فقط عليه ألا يهتم بقتلي قبل حلول أجلي.
وانتظرت أسابيع وأشهرا، لأقرأ له ولو موضوعا واحدا بالعربية أو الفرنسية، يبرز فيه مواهبه ويثري خبرات زملائه، فلم يتدخل إلا نادرا، قبل أن يختفي نهائيا، وكان تدخله من أجل التعقيب بشكر مواضيع الأعضاء النشطين، دون أن يزيد على الكلمة أو الجملة الواحدة ، يكتب لهم كلمات على شكل ( نسخ ، لصق).
(شكرا) أو (بارك الله فيك)، (واصل)، وهذه الكلمات أحيانا لا تنفع العضو المنتج فيصحح أخطاءه إن وُجدت أو يستفيد من خبرة المعقّـّب، فيتضاعف النشاط.
كتبت هذا لأدلل بأن المثبطين للعزائم موجودون في كل وقت وحين،
والذكي هو الذي لا يخضع لترهاتهم، وأحيانا يجوز أن تطبق المقولة أو الحكمة:
{ لا يضر السحاب نبح الكلاب}.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الجمعة يوليو 01, 2011 5:58 pm

قصتي مع الرياضيات، وآه منك يارياضيات
كان السيد عبد الهادي الفلسطيني يؤلف وينتج المعادلات الرياضية والكيميائية ويبدع فيها دون أن يكون في حاجة إلى الكتاب أو النماذج، أما الطلبة فكانوا يتنافسون على حفظ كتاب الممتاز في الرياضيات، وهو كتاب رائج ومشهور في الستينيات، وبعضهم يحفظ أكثره أو كله عن ظهر قلب، لكنه يعجز عند تطبيق المعادلات والبحث عن حلول.
لذلك إذا سافر طالب من مدرسة التهذيب بعين أزال إلى مدينة أخرى فإنه يصير أستاذا في المادة، يضربون به المثل في استيعاب هذا الكم من المعلومات الرياضية، وكمثال يحفظون الصور العامة للمجموع أوالفرق بين المربعين أو الفرق بين المكعبين، وللمعادلات ذات مجهولين (متغيرين) من الدرجة الثانية :
(س- ص)2 = { مربع الأول – ضعف الأول× الثاني + مربع الثاني}.
فإن وجدت معادلة شبيهة طبقت القاعدة دون فهم مثال:
(2س- 3ص)2 =(4س2- 4×3 س ص + 9 ص2)
ونفس الشيء للمعادلات الشهيرة.(ملاحظة: في ذلك الوقت لم تكن المصطلحات عالمية)
أما أنا فلم يكن يستحوذ عليّ الحفظ بقدر الفهم، فقد أمدنا الأستاذ بكيفيات البرهنة على أي معادلة مألوفة أو غير مألوفة، ومنها إجراء عملية الضرب عموديا على غرار العملية الضربية في الحساب.
ولذلك أخضع كل ما أحفظه للبرهنة من جديد والتأكد من النتائج ومن النظرية أوالقاعدة، فلم أكن أضيع نقاطا. استفدت أيما استفادة من طرائق البرهنة التي استثمرتها فيما بعد في الجبر والمثلثات والدوال والمشتقات.... ووظفتها وتصديت بها للرياضيات في المستوى التعليمي والتكويني للكبار.
وعندما انتدبت للاستشارة مع المرحوم بن يخلف استدعينا معا للتكوين في مادة الرياضيات العصرية بسطيف مدة أسبوعين (المجموعات والعلاقات والمنطق الرياضي ...الخ)، وكان اللقاء يجمع مفتشين من 4 أو 5 ولايات ، فكنا نذهب ونعود معا في سيارة واحدة، وأثناء الطريق أعيد له شرح بعض ما يلقيه علينا الأساتذة المؤطرون، الذين بكل أمانة كانوا مختارين وجاؤوا من عدة ولايات ومنهم المفتش بن قادة رحمه الله الذي كان يسمى: (أبو الرياضيات).
وأثناء شرحي له داخل السيارة كان لا يصدقني بل ويعارضني خطأ ويتهمني بعدم المعرفة،
وشاء الله أن يبين له مستواي الحقيقي ويعترف لي به في آخر العملية التكوينية حيث أجرى المؤطرون تقويما ختموا به الدورة في شكل امتحان فردي محروس، ووزعت تمارين شاملة مست برنامج الملتقى وقاست القدرات الفردية للمتكونين،
ففاجأت جميع المفتشين والمستشارين المرسمين من مختلف الولايات الحاضرة، وفاجأت المنتدبين منهم بأن تربعت على عرش المرتبة الأولى بلا منازع،
وتحصل الأستاذ علي وحيدة عملاق المفتشين المؤلفين (من رأس الوادي) على المرتبة الثانية من بعدي مباشرة، وله مؤلفات كثيرة في التربية والتعليم.

تفطن المرحوم بن يخلف أنه كان يغمطني حقي عندما أزعم أنني أفهم مقاصد أساتذة الرياضيات فلا يصدقني، وحينها تأكد بما لا يدع مجالا للشك بأني قادر على المساهمة في تكوين المعلمين في المادة ومنحني حصة كاملة في التكوين التطوعي الذي سبقت الإشارة إليه في حلقة سابقة.
أستاذ مساعد في الرياضيات
لقد خذلتني الرياضيات في بعض المناسبات، ولكنها رفعت قيمتي في مناسبات أخرى، فعلى سبيل المثال لا الحصر:
أطرَنا أحدُ الأساتذة الجامعيين السوريين الرائعين في مادة الرياضيات سنة (1982-1983)،
ولسوء حظه أن جل التلاميذ المفتشين لم يستوعبوا طريقته في الشرح، فقد كان يكتب المعادلات على السبورة ويجري الحلول،
ولا يتلقى استجابة، فتنهال عليه الاستفسارات حول ما أشكل عليهم من معادلات ومصطلحات سهلة،
ويبقى الغموض يلُـفّ ويسيطر على الأذهان.
بينما أفادتني الملتقيات التكوينية السابقة التي نـمّـت رصيدي من الأسس الرياضية فسهل علـيّ التجاوب والفهم،
وتمكنت من استحضار الطرائق والأمثلة التي تبناها الأساتذة الجزائريون في سطيف،
وصرت أعتمدها في إعادة الشرح على التلاميذ المفتشين بقسنطينة، وأضرب لهم أمثلة من الواقع،
لدرجة أنهم استأنسوا إلى الشرح ووجدوا ضالتهم في طريقة العرض والتطبيق، مما جعلهم يلحّون على الأستاذ السوري بالسماح لي في حصته بالتدخل دوريا للشرح وتذليل الصعوبات، فخضع لهم واضطر إلى أن يجلس عند مكتبه، ويفسح لي مجال التكوين والتعليم، ثم استحسن شرحي العملي الذي مكن الطلبة من المتابعة، خلاف النظري المجرد الذي يتبعه الأستاذ وهو الأصح رياضيا طبعا، وكان سعيدا بأدائي وأسلوبي، الذي يوصل إلى المبتغى.
لذلك كنت أشرح للزملاء الجداء الديكارتي والعلاقات وخواصها مثل علاقة التكافؤ التي تتميز بالخاصية الانعكاسية والتناظرية والمتعدية، وأصناف التكافؤ...، وكنت أضرب لهم أمثلة على غرار المثال الذي أورده أخونا المرحوم (س/ ب) في إحدى رسائله، عن الخاصة الانعكاسية [أن الإنسان أخو نفسه]، فأنا الذي مثلت به كما فعل معنا أساتذتنا، وذلك لتقريب الفهم فقط.
دمتم في رعاية وحفظه، وآمل أن تكون أخطاء الرقن قليلة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الجمعة يوليو 08, 2011 6:25 pm

مختصرات من درس نحو في ندوة تربوية للسنة 5 التقليدية في السبعينيات
تمهيد:
عندما تستهدف درسَ أنواع الجملة [الفعلية أو الاسمية]،
لا بد وأن تكون المكتسبات القبلية للمتعلم كافية للتصدي والاضطلاع بما هو جديد،
كأن يكون نفض يديه من أنواع الفعل(ماضي، مضارع، أمر)
وأن يكون مستوعبا لعلامات الاسم ( دخول ال... الجر.... التنوين، ...) ليتمكن من فرز أنواع الجمل وتصنيفها طبقا للتعليمات والتوجيهات .
وإذا أردت تناول درس الأفعال الناقصة مع تلاميذك،
فلا بد وأن يكونوا قد ألمّـوا واستوعبوا مفهوم الجملة الاسمية بما فيها من مبتدإ وخبر،
والجملة الفعلية {الجملة المفيدة المتصدرة بفعل ماضي أو مضارع أو أمر}،
ووجب أيضا مراعاة الوسائل ومنهجية التناول، والوضعيات الباعثة على البحث والتحليل والاستقراء والاستنتاج أو الاستنباط...
وبناء على هذه الملاحظات فإن درس كان وأخواتها لن يستوعبه التلاميذ إذا كانوا يفتقرون لمعرفة أنواع الجملة،
ولا يمتلكون المقدرة على تأليف جمل تامة مفيدة من كل نوع.
فإذا سألتهم: من يأتيني بجملة فعلية مفيدة، أو جملة اسمية؟
ووجدت تجاوبا وتنافسا يبعث على الارتياح،
فتطمئنك المكتسبات القبلية بالذهاب رأسا -وباقتناع- إلى العمل على استثارة نشاط المتعلمين ودفعهم للبحث والمشاركة في بناء معلومات الدرس الجديد.
أما إذا كانت قاعدة معلوماتهم القبلية مضطربة،
والمتعلم منهم لا زال يتعثر في التفريق بين أنواع الجملة ويخلط بينها،
فهذا مؤشر يدعوك إلى أن تتريّـث في مدارسة الجديد، وتتوجه إلى إعادة النظر في بناء المعلومات السابقة أولا فهي بمثابة وسائل إيضاح معينة على فهم الجديد..
عندما عينت كمعلم في مدرسة قلي الطاهر سنة 74/ 1975 أطرت أول ندوة لمعلمي السنوات الخامسة والسادسة في النظام القديم، بمدرسة صحراوي،
موضوعها:(الفعل الماضي الناقص: كان وأخواتها)، وكان ذلك أول لقاء لي مع معلمي عين أزال،
وفيهم أصدقاء وزملاء ومديرون...، وبما أنها أول ندوة أؤطرها بمدينتي فقد بقي بعضٌ من صداها عالقا بالذاكرة، ولا سيما تعاليق رفقاء الدرب من المعلمين الذين حضروا وأثروا اللقاء بخبراتهم، وانبهروا بأساليب التشويق واستخدام الحوار وأجمعوا على جدّة الطرح وحسن استثمار الوضعيات المثيرة للتنافس والبحث وإعمال الذهن،
وكانت جل ملاحظاتهم تشجيعية تشرفت بسماعها منهم، ولا أتذكر انتقادا واحدا لفكرة أو سؤال أو خطوة.
كان تلاميذي متحكمين تماما في أنواع الجملة، وكان الدرس جديدا عليهم،
(لأن بعض المؤطرين يحفـّظون معلومات درس الندوة في أقسامهم، فيكتشف ذلك بسهولة ولا تنطلي الحيلة إلا على المعلمين الجدد).
وسأحاول في هذه العجالة أن أضع المخطط الذي انتهجته:
1. اختيار نص من مستوى المتعلمين روعي فيه استيفاء شروط البحث والتحليل والاستعمال والاستقراء...،
وحسن اختيار النص باعث على حسن استثمار الوضعيات، وعلى إثراء الحصة بالإمداد اللغوي عموما والنحوي بالخصوص.
تنويع الاستعمال لا مناص منه لإكساب المتعلم نماذج وأنماط من السياقات التي تحيا فيها الكلمات المستهدفة بالاستعمال،
[مثال: إذا وردت جملة في النص{كان الرجل مهذبا} ] فإن من أنواع الاستعمال أن يستبدل المتعلم (الرجل) بما يناسب المقام مثل(كان الولد مهذبا) كان الفقير مهذبا، التاجر مهذبا، الضيف مهذبا...، وأن يستبدل(مهذبا) بألفاظ أخرى تؤدي الغرض، مثل: (كان الرجل لطيفا) كان الرجل ثريا، نظيفا، متكبّرا، قصيرا....، بناء على أن المتعلم ماهر في إنتاج جمل اسمية متنوعة تتكون من مبتدإ وخبر.
2. تنصـبُّ مرحلة الاستذكار على الجملة الفعلية والاسمية، تتلوها مباشرة تهيئة وممارسة عملية للربط بين الدروس.
مثل: من منكم يطبق فعل الأمر هذا؟
يدونه المعلم على السبورة:(اخرج)، فيخرج تلميذ عند الباب تنفيذا للأمر،
ماذا فعل زميلكم؟ خرج عند الباب؟
عندما يأمركم أحد بالفعل: اخرج، معنى الجملة يكون تاما ومفهوما أم ناقصا يحتاج إلى زيادة في الكلمات؟ ج: الجملة أعطت معنى مفهوما بدليل قيام التلميذ بالعمل المطلوب منه دون زيادة في الشرح.
لاحظوا الجملة الفعلية خرج فلان، من حيث أنها تامة أم ناقصة؟
ج: تامة، وتؤدي معنى واضحا ومفهوما.
لاحظوا الجملة: (نزل المطر) أو (غرس الرجل شجرة) - مفيدة أم ناقصة؟
من يمدنا بجمل اسمية (مبتدأ وخبر، يكتب الأستاذ بعضها على السبورة في عجالة ليستثمرها في استعمال كان وأخواتها.
3. مرحلة العرض والبناء والتقويمات التكوينية...:
وصف الكاتب فقيرا في النص فماذا قال: (كان الفقير هزيلا).
من يذكرني بنوع ومواصفات هذه الجملة؟ [ هذه الجملة فعلية (مفيدة)].
هيا نستبدل كان بـ: صار، بات، ظل...، ولاحظوا ماذا يتغير؟
احذفوا كان ما هي الجملة المتبقية:(الفقير هزيل) من يبين نوعها ويعربها؟
تذكروا نزل المطر (جملة تامة)، نستنتج أن الفعل (نزل) لا يحتاج إلى مفعول به لنفهم الجملة؟
تعالوا نصنف الجمل التامة نضعها في جدول والناقصة نضعها في جدول آخر:
لو قلتَ في الجملة السابقة (كان الفقير) ماذا تلاحظون؟ ج: جملة ناقصة. نضعها في جدولها.
ماذا ينقصها؟ ينقصها الخبر. إلى ماذا تحتاج كان؟ (إلى خبر)،
يطلب منهم (فرادى) إتمام الجملة بخبر مناسب {طويلا، نظيفا، رثا، مؤدبا..} نضع الجملة المفيدة في جدولها.
هذه الزهرة في يدي، لاحظوا الجملة (صارت الزهرة) هل فهمتم معنى هذه الجملة؟ في أي جدول نكتبها؟
ساعدوني في جعلها تامة: (صارت الزهرة يانعة، طويلة، يابسة، جميلة، شذية...)
(القلم مبريٌّ) يظهره المعلم ويضعه على المكتب: أعربوا الجملة، ادخلوا كان، احذفوا الخبر، ماذا يبقى؟ (كان القلم..)
ماذا تلاحظون؟ تحتاج كان دائما إلى خبر.
الفعل (نزل المطر) فعل تام لأن المعنى المستفاد مفهوم، وهل كان فعل تام لا يحتاج إلى خبر؟
ج: هو فعل ناقص يحتاج دائما إلى خبر، جربوا مع الأفعال الناقصة الأخرى:(أمسى، أضحى، ....)
فكروا عند إعرابكم للفعل كان وأخواتها:
نقول فعل ماضي تام أو فعل ماضي ناقص. ولماذا؟ فعل ماض ناقص لأنها تحتاج دائما إلى خبر حتى يتضح معنى الجملة.
ننتقل إلى إعراب اسمها وخبرها ونجري – عن طريق الألواح- التقويمات التكوينية التي تُـثَبـّت المعلومات وتمكّـن من أخذ مؤشرات النجاح.
تستنتج الخلاصة وتدوّن، وفي الحصة العادية بالقسم ينجز التقويم النهائي على الكراريس.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   السبت يوليو 16, 2011 5:44 pm

حكايتي مع السينما
لا يراودكم الشك في ما سأقوله،
فالذين عاصروني وعايشوا هذه الفترة من حياتي لا زالوا أحياء،
يستذكرونها ويذكّـروني بها دائما.
ذلك أن فرنسا عندما غادرت بلادنا تركت كثيرا من دور السينما والحفلات ...
وكان في عين أزال داران للسينما تتنافسان في جلب الأفلام وعرضها في قاعات معدة لهذا الغرض وللمسرح والحفلات (تغيرت وظيفتها الآن).
وكنت (حوالي سنة 1963-1964) مدمنا على مشاهدة العروض السينمائية بالتنقل بين القاعتين،
وحسب مغريات الفلم والإشهار الذي يعد له. فأخذت تصورا عن الشريط السينمائي، وعن تقطعه أو احتراقه أحيانا، إذ ننتظر حتى يصلحه صاحب السينما ، وطيلة وقت الصيانة يصدر بعض المتفرجين صفيرا وهتافات وهرجا كبيرا، وبدأت أستوعب بعضا من فنيات العرض والتصليح والصيانة...،
وكنت أمتلك بعض كتب الرسوم الكارتونية (بالفرنسية التي لا أفهمها) فأخذت أبحث عن أشرطة شفافة ألصقها ببعضها لتشكل شريطا طويلا حوالي 3 أو 4 أمتار، مثل أشرطة المسجلات أو الفيديو، ثم أنقل الرسوم الكارتونية من الكتب إلى الشريط الشفاف، بواسطة أقلام السيال على اختلاف ألوانها، ومضمون الصور عبارة عن قصة متسلسلة مصورة.
وبمهارات شخصية أطوي الشريط المصور والملون وألفــّه على شكل شريط الفيديو،
ولكن بحيث يسهل طي الشريط إلى الأمام أو إلى الخلف بسهولة،
وفي داخل علبة مغلقة بها فتحتان، الأمامية
على شكل مربع صغير ينفذ منه الضوء ليسقط على الجدار،
والفتحة الأخرى من الجهة المقابلة لإدخال مصباح كهربائي يدوي ذو بطارية،
وعند إضاءة المصباح يسقط النور على الصورة المرسومة على الشريط الشفاف فينقلها وينفذ عبر الثقب المربع لتسقط وتنعكس على الجدار، وتكون الصورة مرئية بألوانها وبرسمها الجميل أو الرديء على السواء.
وكان بعض الأصحاب في ذلك الوقت يجمعون النقود على الصغار المتفرجين، ويبدأ العرض المخصص لهم، والكل يفرح ويضحك.

هذه المبادئ الفنية تركت لدي رغبة في ممارسة هوايات متنوعة كالرسم والموسيقى والمسرح ...، وتدربت عليها جميعا لكن يبدو أني لم أكن مهيأ لها.
وعندما عينت بابتدائية قلي الطاهر سنة 1974/ 1975
عثرت على ضالتي، فقد أبقت السلطة التربوية للمدرسة الفرنسية جهاز عرض سينمائي بالابتدائية، مع بعض الأفلام الإسرائيلية. ولم يبادر أحد إلى استغلال هذا الجهاز الصالح للعرض، فلما رأيته بهرني، واقترحت على السيد مدير الابتدائية آنذاك أحمد عكة رحمه الله ، منحي فرصة استغلال هذه الوسيلة الترفيهية والتربوية مع التلاميذ والمعلمين، ولقيت تشجيعا ومساندة منقطعة النظير بحيث التزم لي بإحضار الأفلام التربوية بنفسه من العاصمة ، ثم وقع عقدا (لكراء الأفلام) مع الهيئة المكلفة بالتوزيع في العاصمة بإرسال الأفلام عن طريق البريد المضمن، فكانت تصلنا شهريا أو نصف شهري، ونعيدها لهم بالبريد، كما يرفقون كل فلم بقائمة الأفلام المتوفرة لديهم لنختار منها ما يتواءم وحاجتنا ، وبعض الأحيان نتفاجأ بإرسال أفلام لم نطلبها أصلا، ولكنهم يستبدلون طلبنا بعنوان فلم آخر كاسد عندهم.
كنت الوحيد الذي يسير جهاز السينما ، وحاولت تدريب آخرين ليخلفوا غيابي ولكنهم فشلوا،
وكانوا يتقاسمون بقية الأدوار مثل إدخال الأطفال إلى قاعة العرض وتنظيم جلوسهم، وجمع مبلغ زهيد من النقود بغرض تغطية حقوق كراء الأفلام وحقوق البريد... وينحصر دوري في تسيير جهاز عرض الأفلام. والقيام بإصلاحها عند تقطع الشريط أو احتراقه...أي ضمان الفـُرجة الكاملة. كان مكان العرض هو الكنيسة المقابلة لقلي الطاهر والتي حـُوّلت إلى مرفق تربوي.
يحتوي الجهاز على درجتين يتغير فيهما الضوء من الخفوت إلى السطوع، بواسطة محول يدوي، فعند بدء العرض يوضع الجهاز في الدرجة 1 حيث يمد القاعة بضوء خافت ، وبعد التسخين لفترة معينة يغير إلى الدرجة 2،
بقيت على هذا الحال إلى حوالي سنة 1978 سنة انتدابي للاستشارة (3 سنوات)، فتوقفت السينما برحيلي، ثم سمعت أن بعض المعلمين أراد استغلال الجهاز مع الأطفال فوضعه في الدرجة 1 وتركه إلى أن احترق المصباح واحترق معه منظم الكهرباء، ثم قـُبر الجهاز إلى يومنا هذا، ولا زال لحد الآن في متحف الابتدائية ومن الوسائل التي تؤرخ لذاكرة المدرسة
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الخميس يوليو 21, 2011 2:58 pm

رحلة بين السماء والأرض
في السنة المدرسية 1972/ 1973 عينت معلما في عاصمة الهضاب العليا (سطيف)،
وكنت أبيت في فندق مع زميلين كانا عصاميين مثلي حريصين على الدراسة وتتبع المجال الثقافي بشغف كبير،
فانتهى إلى أسماعنا أن الدكتور الشرباصي المصري رحمه الله،
سيقدم محاضرة في إحدى دور السينما التي تتحول في مثل هذه الحالات إلى قاعة للمحاضرات أو قاعة للمسرح
أو قاعة للحفلات حسب البرنامج المسطر لها، ودور السينما كانت تؤدي هذه الوظائف بنجاح كبير.
عندما بدأت المحاضرة لفت أنظارنا خطيبٌ مفوهٌ قد أمسك بناصية الكلام وسيطر على مستمعيه بحسن الإلقاء وبلاغة التعيير.
حقيقة إن الكلام الطيب الذي يخرج من القلب يكون مآله القلب، (وقر في القلب).
وكثير من كلام المحاضرين أنساه بمرور الوقت وبُـعد الزمان،
لكن مضمون كلام الرجل لم يغب عن ذاكرتي ولم ينأ عن خاطري.
استهل محاضرته بأسلوب إغرائي مشوق، فنصحنا في معرض مقدمته بقوله:
علينا أن نلتزم مقاعدنا ونشد أحزمتنا، ونستعدّ للطيران في رحلة مكوكية بين السماء والأرض،
وعلينا أن نهيئ أنفسنا ونشحذ أذهاننا ونمتع أفئدتنا بما نكتشفه من أسرار هذا السفر !!،
لكن ليس في طائرة أو وسيلة نقل معروفة،
وإنما في سفر رباني لا حاجة لنا فيه إلى وسائل المواصلات البشرية.
واستهل محاضرته بتفسير سورة من سور القرآن الكريم هي سورة {الطارق } المكية وعدد آياتها 17.
كان الدكتور طيلة محاضرته يطير ويرقى بأرواحنا إلى الملكوت الأعلى تارة،
فيشرح ويمثل ويستدل بآيات من الذكر الحكيم،
ويستشهد بما صح من السنة النبوية وما تيسر من حكم الصحابة والتابعين بإحسان...،
ثم ينزلنا أرضا، فيحدثنا عن فوائد العلوم في فهم مظاهر الطبيعة والحياة، ممثلا ومستشهدا،
ويعاود الصعود مرة أخرى بالجميع في مراقي السماء لنتدبر قدرة الخالق وعظيم سلطانه،
كان فعلا رُبانا يقود سفينة فضائية،
يعلو بنا ويرقى عندما نكون في حاجة إلى سمو الروح والطمأنينة النفسية،
وينزل بنا أرضا ليرينا ما كان خافيا علينا من أسرار كوكبنا، مبثوثة بين آيات سورة الطارق،
ولكننا لا نلتفت إليها أو تنقصنا أدوات فهمها كالتبحر في علوم التفسير وعلوم الحياة.
تركنا مشدوهين أثناء ترحالنا صعودا ونزولا بين السماء والأرض.
وهذه باختصار أهم محطات الرحلة:
قال تعالى: {وَالسّمَاءِ والطّارِقِ(1)، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ(2)، النَّجْمُ الثَّاقِبُ(3) }،
ما هو الطارق؟ فسره الله مباشرة بالنجم الثاقب أي المضيء، الذي يثقب نوره، فيخرق السماوات [فينفذ حتى يرى في الأرض]، والصحيح أنه اسم جنس يشمل سائر النجوم الثواقب...
وأفاض الدكتور الشرباصي في ما أورده المفسرون لكن ليس المقام لذكره.
وتساءل الدكتور هل تعرفون الطارق؟ هل تعرفون النجم الثاقب؟
ما هو العلم الذي يقدرنا على فهم هذه الأجرام السماوية؟
علم يهتم بدراسة النجوم والكواكب والمجرات وعلامات وجود حياة وكائنات في كواكب أخرى من عدم وجودها...الخ
إنه علم الفلك أي الدراسة العلمية للأجرام السماوية (مثل النجوم، والكواكب، والمذنبات، والمجرات.....
بل إن لعلم الفلك فروعا مثل "الفيزياء الفلكية"، وعلم الأرصاد الجوية، والحركة، بالإضافة إلى تكون وتطور الكون وعلم الفضاء.....
إن الله عندما أنزل هذه الآية يريدنا أن نعيها ونتدبرها، وكأنه يطلب منا أن ندرس ونستعين بعلم الفلك وبالمراصد والمكوكيات الفضائية وغيرها ليزيدنا إلماما بالفضاء وقدرة على استيعاب المجرات،
فكأن الخالق يوصينا بحكمته: عليكم بعلم الفلك إذا أردتم أن تفهموا مدلول هذه الآية الكريمة وكل الآيات ذات الصلة،
وإلا يبقى فهمكم قاصرا.
والمقسم عليه قوله: { إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) } يحفظ عليها أعمالها الصالحة والسيئة،
وستجازى بعملها المحفوظ عليها.
وتساءل الدكتور مرة ثانية:
ما هو العلم الذي يتوجب علينا التبحر فيه لنعرف أعمال النفس الصالحة والطالحة لتجازى على ما عملت؟؟
إنها العلوم الشرعية وعلوم العقيدة والتوحيد ومعرفة الألوهية وصفات الربوبية والأسماء الصفات.....
{ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5) } أي: فليتدبر خلقته ومبدأه، فإنه مخلوق [مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ]،
وهذا يستدعي أن يدرس علم الأنتروبولوجيا ونظرية الخلق ومنها خلق الكون.....
{ خلق مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6) } وهو: المني الذي { يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(7) } يحتمل أنه من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي ثدياها.
وقد ذكر المفسرون أنه يحتمل أن المراد المني الدافق، وهو مني الرجل،
وأن محله الذي يخرج منه ما بين صلبه وترائبه، ولعل هذا أولى، فإنه إنما وصف الله به الماء الدافق،
والذي يحس [به] ويشاهد دفقه، هو مني الرجل، وكذلك لفظ الترائب فإنها تستعمل في الرجل،
فإن الترائب للرجل، بمنزلة الثديين للأنثى، فلو أريدت الأنثى لقال: " من بين الصلب والثديين " ونحو ذلك، والله أعلم.
فالذي أوجد الإنسان من ماء دافق، يخرج من هذا الموضع الصعب، قادر على رجعه في الآخرة،
وإعادته للبعث والنشور [والجزاء]،
وقد قيل: إن معناه، أن الله على رجع الماء المدفوق في الصلب لقادر،
وهذا - وإن كان المعنى صحيحًا - فليس هو المراد من الآية، ولهذا قال بعده:{إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ 8 يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9)} أي: تختبر سرائر الصدور، ويظهر ما كان في القلوب من خير وشر على صفحات الوجوه
وتساءل الدكتور مرة ثالثة:
أي علم يكفل لنا فهم الخلق والنشوء ويشرع لنا الإبحار فيه؟ إنه علم الأجنة
{ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ } يدفع بها عن نفسه { وَلا نَاصِرٍ (10)} خارجي ينتصر به،
فهذا القسم على حالة العاملين وقت عملهم وعند جزائهم.
ثم أقسم قسمًا ثانيًا على صحة القرآن، فقال: { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) والأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ(12) }
أي: ترجع السماء بالمطر كل عام، وتنصدع الأرض للنبات، فيعيش بذلك الآدميون والبهائم،
وترجع السماء أيضًا بالأقدار والشئون الإلهية كل وقت، وتنصدع الأرض عن الأموات،..
وتساءل الدكتور مرة أخرى:
ما هو العلم الذي يفتح عقولنا لنعي شروط وأسباب تكون المطر ووما هو صدع الأرض ومم تتكوّن قشرتها...؟
إنه علم الجيولوجيا والعلوم القريبة منه.
{ إِنَّه لَقَوْلٌ فَصْلٌ(13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ(14) } أي: القرآن: وهو حق وصدق بيّـن واضح.
وليس بالهزل، وهو القول الذي يفصل بين الطوائف والمقالات، وتنفصل به الخصومات.
وتساءل الدكتور:
أي العلوم أيضا مطالبون بالتبحر فيها ؟ إنها علوم القرآن والتفسير...
{إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا(15) } أي: المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم وللقرآن، ليدفعوا بكيدهم الحق، ويؤيدوا الباطل.
{وَأَكِيدُ كَيْدًا(16) } لإظهار الحق، ولو كره الكافرون، ولدفع ما جاءوا به من الباطل، ويعلم بهذا من الغالب،
فإن الآدمي أضعف وأحقر من أن يغالب القوي العليم في كيده.
وتساءل الدكتور:
لكي تكون قويا تَـرُدّ ُ كيد الكائدين ما هو العلم الذي إذا تحكّمنا فيه ضمِـنّا النصر المبين؟ إنها العلوم العسكرية ...
{ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)} أي: قليلا، فسيعلمون عاقبة أمرهم، حين ينزل بهم العقاب.
لقد أخذنا الدكتور رحمه الله في رحلة بعيدة عن الزمكان، معطرة بنفحات إيمانية وبتقوى الله
والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
بيّن لنا أولا أن سورة الطارق لم تترك علما من العلوم العقلية ولا النقلية إلاّ وأشارت إليه
وأقنعنا ثانيا بأن كل من يريد فهم القرآن العظيم، عليه أن لا يحتقر أي علم من العلوم البشرية،
وأن يأخذ منها جميعا على رأي الجاحظ وموافقة ابن خلدون في تعريف الأدب [هو الأخذ من كل علم بطرف]،
ففهم وتفسير القرآن يلزمه الأخذ من كل علوم الدنيا :
الفيزياء والكيمياء والرياضيات وعلوم الطبيعة والحياة،
والفضاء والكون، ومختلف الصناعات المدنية والعسكرية التي عرفناها والتي لم نعرفها بعد،
تذلل للدارس فهم القرآن وتدبر معانيه، والتمكين للإسلام والمسلمين وتعريفهم بمكمن القوة،
وإقدارهم على الاستخلاف في الأرض.
رحم الله رجالا سادوا بأفكارهم العلمية – غير المتطرفة - وعواطفهم الجياشة تجاه دينهم ودنياهم،
وطيّب الله ثراهم وجعل الجنة مثواهم
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الإثنين يوليو 25, 2011 7:36 pm

قصتي مع الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية
أحد رفقاء الدراسة الذي تابع دراسته في الجامعة وصار شخصية مرموقة،
بعد أن لمس مني حبا للتغيير والبحث عن مستقبل زاهر لأبناء بلادي ولا سيما جيل الاستقلال،
نصحني في أوائل السبعينيات بأن أهم طريقة لتغيير المجتمع والبروز فيه،
هي الدخول في حزب جبهة التحرير الوطني وفروعه الجماهيرية.
وأعطاني أفكارا تفسّـر وجهة نظره مستدلا بالآية الكريمة: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}،[الرعد : 11].
وكنا نرى الواقع مزريا وملوثا بالآفات الاجتماعية ونرى أن التغيير ضرورة حتمية،
فقال لي كما قال لغيري: لا بد من استغلال ميكروفون المسجد، واستغلال باب التطوع في كل الحمْلات التي ترعاها الدولة وتدعو إليها،
وأن ننخرط في حزب جبهة التحرير الوطني وفروعه الجماهيرية، لأن التغيير يكون من داخل السلطة وليس من خارجها.
ولكنه نصحني وخالف، فلم يتطوع ...ولم يخطب في المساجد ....ولم ينخرط في الحزب....
أما أنا في قرارة نفسي فرفضت فقط استخدام المسجد لأغراض سياسية ولم أتقبل الفكرة، لأنها سبيل إلى الدعاية والإشهار وحب الظهور، ولكن غيري تقبلها، ومنهم من خطب في المسجد وتعرض للسخرية من الأئمة والمواطنين،
لأن حرمة المنبر أنبل وأسمى من أن تلوّثه السياسة والدعاية،
بينما قبلت الانخراط في المجالات التطوعية، وكنت أصرف على بعضها من راتبي الشهري.
ولما أردت الانخراط في حزب جبهة التحرير الوطني، رفضوني ووجهوني إلى الانخراط أولا في الاتحاد البلدي للشبيبة الجزائرية تحت إشراف الاتحاد الولائي الذي بدوره يخضع لسلطة الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، وهذا هو سلم الانخراط.
وكانت التجربة غنية ومفيدة بالنسبة لي، فقد ترقيت بسرعة في الاتحاد البلدي من عضو عاد إلى رئيس الاتحاد البلدي للشبيبة الجزائرية، وكنت أول من أعطى الإدارة دفعا بحيث لم يول الذين سبقوني في ترأس الاتحاد أية أهمية للتوثيق والتسجيل،
وكانت المراسلات والتعليمات تنهال على الاتحاد، وبعضها يهمل ولا يقرأ أو يُـرمى في سلة المهملات، وكانت قسمة جبهة التحرير من يستقبل الرسائل ويحولها للمنظمات ومنها الاتحاد،
ويحرص على تنفيذ ومتابعة التعليمات الخاصة بالمنظمات وبالشبيبة.
فوضعت اللبنة الأولى المتمثلة في شراء سجلّـيْ الوارد والصادر وسجل جرد على غرار إدارة المدرسة،
واقتنيت حوافظ مسك الأرشيف وتبويبه، ورغم أن هناك طرائق ملتوية لجلب بعض الأموال للتسيير،
إلا أني خسرت كثيرا من جيبي على تنشيط الاتحاد داخل البلدية آنذاك،
وصرت محط أنظار الشباب ومسؤولهم الأول يطرحون عليّ قضاياهم ونتعاون على حلها وعلى بعث حركة شبانية،ارتفع صيتها وعلا صداها في البلديات المجاورة،
أذكر أنه كانت لعين أزال فرق فنية ومسرحية لا سيما المسرح الفكاهي،
تجوب البلديات التي تتفق معها على إحياء المناسبات،
وكنت أنظم معهم الرحلات ذهابا وإيابا.
إذا كان ترأُّسي للاتحاد البلدي قد أنهكني ماديا ومعنويا إذ كنت أتحمل بعض الخسائر،
فإني وسّـعت خبرتي في المجال السياسي بمشاركتي في الملتقيات الولائية،
فاطلعت على خفايا المنظمة ودورها في تعبئة وقيادة الشباب ليكونوا فاعلين في المجتمع،
حتى ولو كان ذلك من باب الديماغوجية ولغة الخشب.
كما أعطاني سمعة كبيرة عند أعضاء مكتب قسمة جبهة التحرير،
وصرت عضوا رسميا في اجتماعات القسمة،
جنبا إلى جنب مع المنظمات الجماهيرية الأخرى،
وأثناء الاجتماعات كانت تطرح علينا قضايا خطيرة مثل:
عملية تطهير المجاهدين من المزيفين والدخلاء،
كان حضور المنظمات الجماهيرية ليس لأجل الفرز أو إعطاء الرأي وإنما للاستماع والمراقبة لتقويم مصداقية الفرز،
وللشهادة على إنجاز العملية في أوانها، ولقد بقينا أسابيع نحضر تلك الاجتماعات.
تولّـى المجاهدون القضية بتؤدة ودراسة معمقة، وخاضوا فيها بالعودة إلى الشهادات الحية والتاريخ والوثائق....
وتناقشوا بحرية تامة (أعمق من الحرية التي نراها الآن مع تعدد الأحزاب)،
ومن خلال المناقشات اكتشفت معلومات عن بعض الثوار الذين تركوا بصماتهم خالدة في تاريخنا وقلوبنا.
انخرطت بعدها في حزب جبهة التحرير عن جدارة، لكني تعرضت لمشاكل من بعض الذين أعرفهم أحسن معرفة، بسبب التحاقي بالتكوين، فكان بعضهم يشطب اسمي، والبعض الآخر يعيده، والمثل الشعبي يقول: (ما يبقى في الواد غير احْجارُه).
والسبب أنني كنت أتغيب عن الاجتماعات بسبب الغربة. وبقيت في الحزب إلى نهاية الثمانينيات، إلى انسحبت من السياسة تماما.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الأربعاء يوليو 27, 2011 5:15 pm

قصة تحدي لا بد من سردها
بعض المعلمين الذين أجبرتهم الظروف على الانتماء لسلك التعليم،
وهو لا يُـرضي ميولهم ورغباتهم بسبب اهتماماتهم بحرف أو مهن أخرى، وبعضهم يفقد عزيمته ويفشل في أداء الرسالة،
ويصب جام غضبه على قحط وجدب عروض التشغيل التي تنسجم مع رغباته وهواياته وتفتح له شهية العمل والطموح.
ومثل هؤلاء كنت أوصيهم بالإصرار والتحلي بالصبر وبالإرادة الفولاذية التي تحفزهم إلى تحقيق نتائج
لم يخططوا لها كأهداف في بدايات حياتهم،
وسينجحون باعتماد عنصر التحدي الذي يفتح أمامهم فضاء رحبا سيسعدون لو انتصروا فيه،
فلذة الفوز لا تعادلها لذة، وتشعر صاحبها بالرضى وتدفعه إلى مضاعفة الجهد لتحقيق المزيد
.
أثناء مرحلة التكوين بقسنطينة، فـوّجت الإدارة مفتشي اللغة العربية (الطلبة) إلى مستويين:
المستوى الأول: مستوى لغير الدارسين لهذه اللغة، جنبا إلى جنب مع الذين درسوها من الصغر ولم يتجاوزوا الدراسة الثانوية لها.
المستوى الثاني: وينضوي تحته الطلبة الذين لهم مستوى متميز في هذه اللغة ينطقونها بطلاقة ويكتبونها باقتدار.
ورتبت في المستوى الأول طبعا مع الذين درسوا اللغة بانتظام، لكنهم يوظفون العربية في كل أحاديثهم ومناقشاتهم،
فلا يميز السامع بين المقتدر منهم في الفرنسية من الضعيف فيها مثلي.
ومن عجائب الأمور، أنني عندما تعرفت على صديق يحبه الجميع (من عين بسّام)
وكان حاضر النكتة سريع الابتسامة عازما على التفوق، يضرب الجميع به المثل في روح الدعابة التي يمتلكها،
طالب متمكن من الفرنسية لدرجة أنه أخفى عن الإدارة وموّه حتى لا ترتبه في المستوى الأعلى،
لأن بقاءه معنا وبيننا سيضمن له اقتناص أحسن نقطة في الفرنسية وسينعكس مفعولها على الترتيب العام .
كنا ننام في مراقد متقاربة، وفي السهرة نتوزع أفواجا حسب قدرة المكان الذي يجمعنا، ونتبادل الأحاديث والقصص وكل فرد يفصح عن طموحاته وأمانيه وأحلامه.
تجاذبنا أطراف الحديث بالخوض في مستواي في اللغة الفرنسية،
سخر مني وتهكم وتحداني بأني لن أقدر مطلقا على منافسته ومَـثَـلي ومَـثَـلُه كمَثَل سباق الأرنب مع السلحفاة.
ولن أبلغ مرتبته حتى في الأحلام.
فما كان مني إلاّ أن رفعت التحدي أمام الجميع، - ما رأيك لو تحصلت على نقطة أعلى من نقطتك؟
كانت أستاذة الفرنسية قد نصحتنا – نحن الضعاف – بأن نقرأ الجريدة بالفرنسية يوميا، وأن نستفيد من الكتب ....وهلم جرا.
فكانت الجريدة أول محطة أنطلق منها لمعرفة الكلمات بالفرنسية،
واضطرني ذلك لشراء قاموس عربي فرنسي/ وآخر فرنسي عربي/ وآخر فرنسي صرف.
كنت أقرأ الموضوع وأسطر تحت الكلمات الصعبة، ثم أعود إلى القواميس فأشرحها وأحفظها وأحفظ معناها ثم ألتفت إلى كتب الصرف فأرى ما يطرأ عليها من تحويلات عند تصريفها من زمن إلى آخر.
واستطعت بفضل ذلك تنمية رصيدي من الكلمات الفرنسية ولو أني لا أستطيع صياغة نص متكامل.
وفعلا كانت هذه الطريقة مدعاة إلى أن أقرأ موضوع الجريدة وأفهمه بعد أن كنت زاهدا فيه،
وإذا تطلب الأمر أن أقرأ نفس الخبر في جريدة بالعربية فأقرأه حتى لا أتيه في محتواه بالفرنسية.
هذا الاستعداد والصبر لتحدي زميلي مكّـنني من الانتصار عليه يوم الامتحان،
فقد أخذت نقطة حوالي 09 من 20 وهي نقطة رائعة (مقارنة بالمستويين) وبالنقطة القصوى التي لا تتجاوز 14.
بينما لم يتحصل هو إلاّ على نقطة قريبة من 06 من 20 ،
لا أخفيكم أنني أنهيت سنته بالافتخار عليه بما حققت،
ورغم أني مدرك بأنه أفضل مني، لكني نَغّـصت عليه بقية أيامه إلى أن سلم بأفضليتي عليه.
لذلك أشعر بأن التحدي والصبر مزيتان تدفعان الانسان إلى تحقيق المعجزات،
حتى وإن كان الأمر المتحدى ليس مما يستجيب للاهتمامات ويرضي الميول.
رمضان كريم

[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الخميس أغسطس 04, 2011 4:22 pm

من برامج تلفزيون السبعينيات والثمانينيات
قليل منكم من يعرف أن التلفزة اليتيمة الجزائرية بثت في أواخر السبعينيات برامج ثقافية تعليمية، عبارة عن دروس كانت محط أنظار الظامئين مثلي آنذاك للبحث عن المعرفة. فمست الدروس الأقسام النهائية للطلبة المقبلين على امتحانات البكالوريا مثل اللغة العربية والرياضيات والفيزياء والفلسفة والاجتماعيات والعلوم وأنشطة أخرى...
كان الأساتذة بحق من خيرة أساتذة الثانويات وربما هم جامعيون، وازدادوا خبرة بطرائق البث التلفزيوني وكيفية التعامل مع الطلبة عن بعد، بدفعهم إلى التجاوب والمتابعة الطوعية واليقظة لكل ما يقدمه كل منهم بطريقته الخاصة، والتشويق الذي يوظفه لجلب اهتمامات المتابعين وجعلهم يتعلقون بالدرس من بدايته إلى نهايته، ويتفاعلون مع الأسئلة التكوينية التي تساير الحصة
التعليمية/ التعلمية برمتها.
وأحيانا يتناول الحصة اثنان هذا يشرح والآخر يجيب عن الأسئلة ويكتب على السبورة ويزيد شرحا....
بعض الحصص يحضر فيها طلبة يطرحون الأسئلة ويجيبون على الإشكالات المطروحة، فتشعر وكأنك في داخل الصف حقا.
كان أولئك الأساتذة على قدر من المسؤولية، فقد أحاط كل منهم بتخصصه وربما كان متفوقا فيه،
ورأيت بعضهم بعد سنوات تقلدوا مناصب في وزارات الدولة وهي مناصب عمل وعطاء وليست مناصب ظهور وافتخار.
تزامن تقديم حصصهم مع أوقات عملي فكنت أسارع بالعودة إلى البيت لأحضر حصة أو جزءا منها، وأحب أن أشير إلى بعض من أولئك الجهابذة الأفذاذ:
ــ أستاذ الفلسفة وكيف يمزج بين الجد والهزل وبين البسمة والتجهم، وبين توليد المعرفة وإنتاجها على طريقة سقراط ، أو طرحها على المستمعين في أطروحات وإشكاليات مفتوحة أو نصوص أو مقالات فلسفية، وعندما يكتمل الموضوع يذيّـله بخلاصة نسارع إلى نقلها، وتارة يسبقنا بمحوها.
لقد تعلمت منه منهجية البحث وإثارة المشكلة والأساليب الحجاجية...
ــ أستاذا اللغة العربية: أستاذان متحكمان في المادة يحسنان تناول المواضيع بكيفية إغرائية ومشوقة، تتعلم منهما قواعد اللغة وتسمع النطق الصحيح والإلقاء الجيد.
أعرف بأن أرشيف التلفزيون لا زال يحتفظ بتلك الذاكرة المؤثرة في مسيرة دولتنا، وأعرف بأن الإصلاحات قد وأدت بعض ما كان صالحا لذاك الزمان وساد ثم باد، مثل الثورة الزراعية والاشتراكية وهلم جرا لكن طرائق تحليل النصوص وتفسير الظواهر وكسب اللغة، لا زالت هي هي،
فيا حبذا لو تختار منها بعض الحصص لتقدم كنموذج لتلك الفترة المزدهرة، ولأولئك الأساتذة الأجلاء. فاليتيمة بقنواتها الخمسة ليس فيها ما يشد الطلبة ليهتموا بالعلم والدراسة، على غرار القنوات التعليمية المصرية التي تجاوزت في وقت من الأوقات ثمان قنوات وهي الآن قريبة من هذا العدد، غير أن أساليب التعليم فيها لم تتطور بعد.
أما ما جاء في تلفزتنا من حصص شبيهة في التسعينيات أو الألفية الثانية، فيفتقد إلى عنصر المصداقية والاختيار في كل شيء، وشتان بين ما كان وما توقع أن يكون.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الأحد أغسطس 28, 2011 4:25 pm

تحية للجميع وبعد:
لو عايش الإخوة المعلمون والمديرون سنوات الستينات والسبعينيات لما استطاعوا أن يعقدوا مقارنة بين سرعة إيصال
المعلومة في ذلك الوقت وسرعتها في زماننا هذا،
بسبب الطفرة الخارقة والتطور الفظيع في سرعة تدفق المعلومة بين البشر.
فلو أرجعنا عقارب الساعة للوراء، لاحتجنا لأشهر عدة وربما لسنوات لتصل مناهج 2012 وما يتبعها من توثيق للمعني الأول بها وهو المعلم.
والآن لو لم تكن الشبكة العنكبوتية، لتأخر وصول المناهج والوثائق والأدلة المطبوعة،
ليس أقل من مرور شهرين أو ثلاثة
على الدخول الاجتماعي وبداية الدخول المدرسي على أحسن تقدير، وهذا في حالة توفر الورق ووسائل الطبع والتمسيك.....
لأن المركز الوطني لتوزيع المستندات والوثائق التربوية في الثمانينيات لم يكن يتحكم في العملية بالقدر الذي عليه الآن.
بل كانت تصل بعد سنة إلى ولايات معزولة أو ولايات لا يهتم مسؤولوها بالتعليم.
وحينها تبدأ معاناة المعلم والمدير والمفتش وتبدأ الاجتهادات التي قد يجانبها الصواب.
أتذكر في بداية الثمانينيات أني زرت معلما في استشارة تربوية، بعد أكثر من 4 أشهر على تطبيق المدرسة الأساسية،
ووجدته لم يسمع بعد بالمناهج ولا المواقيت الجديدة، بسبب صعوبة التواصل وندرة المطبوع،
وكان يعيش في عالم معزول عما يجري في المدرسة الجزائرية.
وأخفيت عن المفتش الوضعية التي وجدته عليها،
لكنه في إحدى الندوات التربوية قام أمام جموع المعلمين وفضح الأمر بقوله لولا السيد المستشار التربوي الذي زارني وبيّـن لي ما ينبغي علـيّ فعله، لواصلت على ما وجدني عليه من زلل وخلط واتجاه نحو الهاوية، وقص تخبّطاته مع القراءة والتعبير والرياضيات .... وأضحك كل الحاضرين.
والآن بفضل الأنترنيت تصل المعلومة وافية شافية في لمح البصر لمن أراد أن يتدبر أموره قبل الدخول المدرسي،
فيخطط المخططات ويهيئ المستلزمات، وما أن تزف ساعة العمل حتى يكون قد هيأ لها العدة ولم يتأخر عن الركب، وقد يبقى بعض الغموض الذي يلف مدخلات العملية التربوية ، وسينزاح فور إجراء اللقاءات الدورية بين فرق التنشيط التربوي.
فما أتى به الأخ رمضان من جداول استعمال الزمن
وما أثرت به أستاذتنا الفاضلة جميلة من مناهج ووثائق ومستجدات الموسم الدراسي الجاري 2011-2012
كل ذلك لا يترك مجالا للارتجال وهدر وقت في القراءة والمحاولة والخطإ،
لأن العملية جاهزة وما على المجد إلا وضع القدم في مكان الانطلاق
وبالنسبة لي ما كنت أجهله البارحة وأتوقع له حلولا، صار اليوم معلوما لا يحتاج
إلى توضيح فشكرا للأنترنيت ولعصر السرعة وطوبى لمن ساير عصره ولم يتأخر
والله المعين.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   السبت سبتمبر 03, 2011 11:45 am

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
بعد أن انقضى رمضان وولّى العيد وتبادل المسلمون التهاني والتباريك، أعاد الله الأعياد على الجميع باليمن والبركات.
أسرد عليكم هذه الواقعة وقد فرضت نفسها عليّ وأقضّت مضجعي من قبل حلول شهر رمضان الفضيل، فلم أستطع كتمانها، لعلاقتها بأحد حفلات التكريم المعدّة لفائدتي من إخواني المعلمين والمديرين، وللظلم البواح البيّـن من أحد المديرين الذي لم أجد له تفسيرا واحدا.
في نهاية سنوات الألفية الثانية (أي في تسعينيات القرن المنصرم)، أحد المنتمين لسلك التربية ترقـّـى إلى مدير ابتدائية، كان كثير التردد على مكتب مفتشية التربية التي أشرف عليها باستمرار ومبالغة، ويقدم لأعضاء المكتب ما ينبغي من آيات الاحترام وإفشاء السلام المقرون بالقبلات وأزكى عبارات التحية اليومية.
ويأخذ كل ما يريد، ولا يُحرم مما بالإمكان مساعدته فيه.
كثير التملق، يجلس على كرسي يتحدث ويروي قصصه، ولا يبرح المكتب حتى يستفيد مما توزعه المفتشية آنذاك من وسائل وعتاد تربوي، الذي تحصل عليه من أهل الخير جزاهم الله وأثابهم بسبب ثقتهم في المشرفين على المقاطعة، واختيار طاقم المفتشية لأداء مهمة العمل الخيري في عدالة التوزيع، إذ كانت الشاحنات تركن عند مخزن المفتشية وتفرغ حمولتها وتغادر.
أحيانا يساعد هذا الشخص في إفراغ حمولة الشاحنة وأحيانا يظهر نفسه كمساعد (فاعل خير)، ثم يختفي ولا نراه إلا وقت اصطياد الغنيمة.

وكان الكاتب يمَكّـنُه من الوسائل المدرسية التي نوزعها على المعوزين على اختلاف أنواعها، بسبب كثرة ما يُوَزّع ويكدس في المؤسسات،
ويمنحه الكتب المدرسية لأولاده مجانا، وإذا طلب الكاتب رأيي في بعض مبالغات وإسراف هذا الشخص،
كنت أوصيه بأن يمنحه كل ما يريد ولو كان أكثر من حاجة أولاده، فالخير كثير.

إلى أن أطل علينا تاريخٌ قمت فيه بتوحيد تصحيح أحد الامتحانات المدرسية ومركَـزْتُه بإحدى الابتدائيات،
ربما حدث شيء غيّـرَ تصرفات هذا الشخص تجاهي؟
ولحد الآن أتساءل : ــ هل نهيته على عدم الحديث مع المصححين؟
أو ــ هل طلبت منه البقاء في مكان معيّن وعدم الدوران في الحجرات حتى لا يشوش على عملية التصحيح؟
أو منعته من أن يطلع على أسماء التلاميذ لأن الأوراق لم تخضع لعملية الإغفال؟ (الترميز)...لا أدري، و والله لا أدري.

بالنسبة لي ما فعلته هو من صميم العمل العادي ويقوله كل مسؤول حازم (إن قلته) ويفعله (إن فعلته) مع المصحح والمدير والكاتب... وغيرهم لأنه يندرج ضمن تطبيق التعليمات الرامية إلى الحرص على النزاهة والحصول على تصحيح موضوعي للامتحان.
وفجأة انقطع حضور هذا الشخص إلى المكتب، فسألت عنه بعد أيام من غيابه،
فقيل لي بأنه يأتي خارج باب مكتب المفتشية ولا يدخل.
فاستفسرت عن السبب فأُخفِــيَ عني في البداية وبعد محاولات قيل لي :{ لقد أخذ منك موقفا من يوم تصحيح الامتحان}.
فسألت: وماذا فعلت له؟ ويشهد الله أني لا أتذكر سببا لحد الساعة. فلم أجد إجابة.
وفهمت أن القضية تتعلق بيوم التصحيح فقط.
المهم أن هذا الشخص الذي لم يكن يغادر المكتب حتى يعود إليه،
صار لا يدخل المكتب إلا في غيابي، ثم أخذ موقفا مماثلا من الكاتب وقاطع إثره المكتب نهائيا،
وإذا اضطر إلى ملاقاتي مع أناس آخرين؛ كان ينأى بنفسه حتى لا يصافحني أو يُسأل عن سبب إعراضه وصدوده؟
حسبي الله ونعم الوكيل فيه.
هكذا هم اللئام إذا اتجه الإحسان إليهم، قابلوه بالإساءة، ونكران الجميل.
فتذكرت رائعة المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته..... وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
والحكمة التي قيل إنها إنجليزية: {اتق شر من أحسنت إليه}.

أوصيت الكاتب بأن يدوّن البيت الشعري ويعرضه مع معلقات المكتب، ولكنه استحى ولم يفعل.
يتساءل أحدكم لماذا تذكرت هذا الشخص الآن إذا كان عداؤه تجاوز عقدا ونيّـف من الزمن وانقطعت الصلة وانتهى الأمر؟؟؟
ذلك أنني قدمت له شخصيا خدمة جليلة لا يجحدها إلا لئيم (أربأ بنفسي وأترفع عن ذكرها).
أضف إليها موقفه الحاقد في حفل الإحالة على التقاعد في شهر أفريل الماضي 2011 ،
عندما جاءني بعض المديرين الذين دعوا هذا الشخص لحضور الحفل فرفض بحجة كرهه صاحب التكريم !!!!!؟ ولاموه، وألحوا عليه ولكنه رفض ولم يحضر.
نقلوا لي هذا التصرف المشين، باحثين عن السبب، فأحيوا ذاكرتي بالعودة إلى تاريخ التصحيح، ولمّحت لهم عن السبب في عجالة، هل يعقل أن يكون هذا سببا لعداء مزمن!!!؟
إن جزائي معه كجزاء سنِمّار.

فأما شهودي على الإحسان إليه سنوات وسنوات فهم كثيرون، يشهدون في الدنيا والآخرة.
أما شهوده على أنني فعلت معه شيئا واحدا غير تربوي فو الله لن يجد شاهدا يشهد أن تصرفي كان غير تربوي،
إذْ لا دَخْلَ لهذا الشخص أصلا في الامتحان، لا من قريب ولا من بعيد.
وكان حياء مني وتكرُّمًا أن تركته يدخل مركز التصحيح.
لا أنكر أن هناك قلة من النفوس البشرية فطرت على لؤم الطبع ونكران الجميل وجحود المعروف ومقابلة الاحسان بالإساءة،
وكما يقول بعض العوام : (تـعُضّ اليد التي تمتد إليها)
لكن أن يعشش الحقد ويترعرع لمثل هذه الدرجة التي لا يتصف بها إلا اللئام وأهل القلوب المريضة والعقول السقيمة.
هذا ضرب من الظلم ينبغي أن يحكى ويوثـّـق ولو على مثل هذه الصفحات.

ومع ذلك فقد فوضت فيه أمري إلى الله القائل في محكم تنزيله:{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ }.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الخميس سبتمبر 08, 2011 5:31 pm

عفا الله عما سلف
هل التفتيش سهل يا إخوان؟

حدث هذا في أحد اجتماعات المديرين أين قام أحدهم (ولأول مرة معي) وكَالَ لي جملةً من الكلمات النابية المنافية للآداب والأخلاق، وعدّد من الصفات الذميمة ما تقشعرّ له الأبدان، وتركته يهذي ويرغي ويزبد حتى أنهى ما أراد قوله، وما بثـّه من شكوك بين الحاضرين بقصصٍ ظنّية فَبْــرَكَها وصدّقها، وراح ينسج خيوطها على الملإ من خياله، يستدرّ عطفهم ويلقى باللاّئمة على المفتش الذي أهانه ولم ينصره من أجل تطبيق القانون وإحقاق الحق، ورفع صوته محدثا صخبا كبيرا وإزعاجا للحاضرين، دون خجل أو حياء.
لم أجبه ولم أتصرف مثله، فالقائد يجب أن يكون أرحب صدرا من الذين يشرف عليهم.
اتجهت للحاضرين أبـيّـن لهم خطوات المشكلة التي أراد تلفيق سير وقائعها بطريقة كُتّاب السيناريو، وعندما كنت أحكي كان يستمع ويحلل ويحكم ، فتسلسل الأحداث والوقائع كان على النحو الذي ذكرته، وعدّدت الإجراءات التي قمت بها، وما باستطاعتي فعله فعلتُه ولم أتوان ولم أتأخر، بينما الأمور التي تتجاوزني وبيّـنتها لهم ليست لي أية صفة أو مقدرة على البتّ فيها ومعالجتها.
وفسد الاجتماع وضاع ما تبقّى منه في خضمّ هذه الفوضى المفتعلة، والأولى والأخيرة في مسيرتي.
أما المديرون فقد أمطروه (خارج القاعة) وابلا من اللوم والتأنيب والتقريع، على الأذى الذي سبّبَه وربما تعارك بعضهم معه، كما تناهى إلى سمعي بعد ذلك.
أما أنا فقررت في صمت بيني وبين نفسي تشطيب اسمه من بين رجال التربية الذين طالما اعتززت ولا زلت أعتز بفترة عملي معهم، وأحتفظ لهم بذكريات رائعة،
فالكلام المؤذي والصخب المفرط أمام الناس شيء مفزع ومقزز.
وللأمانة بعد أشهر من ذلك وقبل أن يُحال على التقاعد بقليل، شعر بالذنب وأحس بمرارة الخطإ الذي ارتكبه، فجاءني إلى البيت معتذرا يحمل ما لذ وطاب من الفواكه الثمينة، فأدخلته داري وأكّـلته ملحي كما يقال،
وطبقت القاعدة: المسامح كريم.
وكان لهذه اللقطة التي قام بها أثر طيب على نفسيتي، إذْ كنت متأثرا ببهتانه
ومن موقفه العدائي الذي بناه على شكوك لا أصل لها وهو في سبيله إلى التقاعد.
وكان التسامح والعفو سمة ً طوينا بها هذه الصفحة وأنا راض عنها وعنه تمام الرضى.
رسائل مجهولة
وصلتني أعداد من الرسائل المعلومة المصدر عندما كنت أمارس مهنة التفتيش، وهي رسائل أظهر أصحابها أسماءهم وأماكن عملهم،
وهذه كانت سهلة البحث فيها أو الرد على ما تضمنته من حيرة و انشغالات.
ووصلتني رسائل أخرى مجهولة الهوية والمصدر، ( يزعم كاتبوها أنهم معلمون أو أولياء أمور أو فاعلي خير...) يشكون من بعض المديرين أو المعلمين أو يطرحون قضايا لا يستطيعون طرحها بكشف هوياتهم، ومنها رسائل تشيد بعمل المفتش وتعترف بجميله....،
عثرت على جُلـّها عندما قمت بتصفية درج المكتب من الرسائل الشخصية قبل إحالتي على التقاعد،
وأعدت قراءتها قبل التخلص منها نهائيا، وما كنت أظن أنني سأكتب حولها.
إحدى هذه الرسائل مجهولة المصدر غريبة المعالم والشكل لكن الأكيد أنها من معلم نكرة أخفى هويته وأحاطها بلبس يصعب معه معرفة مرسلها.
صعقتني بما تضمنته من أقدح الألفاظ ووابل الإهانات والافتراءات، وبلغة المعلمين عن الدروس والتقويم، إضافة لكونها مصوغة بعبارات جميلة،
وخط مُنتحَلٍ رديء لا يشبه خطوط المعلمين.
وذلك ليبعد كاتبها الشبهة عن نفسه ويبقى مجهولا.
قال كل ما أراد أن يوصله إليّ: رماني بالظلم والتعسف والمحسوبية ....الخ، ووظف عبارات مستهجنة
ولفق افتراءات ظالمة.
تحريت عنها لأعلم مبرراتها وحيثيات كاتبها المتخفي الذي افتقد الشجاعة ليظهر اسمه
ويدافع عما اعتبره حقائق لا يرقى إليها الشك.
وفشلت في معرفة شخصيته.
ومثل هذه الرسائل لا تمنح قارئها المتهم فرصة الرد والدفاع عن نفسه، وما تضمنته الرسالة محض شكوك وتوهمات وقراءة مغلوطة وغير صحيحة.
فلمن يدافع الضحية إذا كان الكاتب يتستر على اسمه وهويته؟؟
ورغم أن بعض الناس يرمون الرسائل المجهولة في سلة المهملات إلا أني احتفظت بها في درج المكتب الخاص بي علني أكتشف صاحبها،
ولكني كدت أنساه بطول المدة.
بعد سنة تقريبا وصلتني رسالة ثانية من نفس الشخص وبنفس الخط ونوع الورق، ولكنها رسالة أثلجت صدري،
وخففت من ذاك الحمل الذي أثقل كاهلي و ضغط على صدري ردحا من الزمن.
فقد قارنت خط الرسالتين فإذا هما لشخص واحد بلا أدنى شك.
لكن في فحوى الرسالة الثانية شن هجوما شرسا على نفسه، (تأنيب الضمير وجلد الذات).
واعترف بما لا يدع مجالا للشك بأنه أخطأ في حقي خطأ فادحا وأنه تاب ويأمل العفو والصفح، وأنه تسرع في الكتابة ولم يكن على دراية بالملابسات، وأعرب عن أسفه البالغ لما بدر منه دون وجه حق. وراح يعدد المناقب والفضائل التي اكتشفها في شخصي متأخرا - كما قال -...
المهم أنه انتقم لي من نفسه بنفسه، فحمدت الله على إظهار الحقيقة لهذا المتخفي، وتمنيت لو عرفته وشرحت له ثم سامحته على كل ما قاله،
ولو لم يكن جبانا وأبان عن اسمه لما شعر بظلم لا أساس له، ولما رماني وأزعجني بما رماني به،
ولكن عفا الله عما سلف.
عثرت على هذه الرسائل وأنا أغادر المكتب فقرأتها من جديد، ثم تخلصت منها جميعا لأنها تخصني ولا تخص الإدارة، تحياتي للجميع ولا أراكم الله مكروها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الجمعة سبتمبر 16, 2011 9:32 am

شذرات من يوم مسابقة التفتيش
أقبل عشرات من المعلمين الذين أعرفهم عزّ المعرفة على مسابقة الدخول إلى التفتيش التي شاركت فيها سنة 1982 ،
فضلا عن أعداد أخرى من الذين لا أعرفهم.
وكان الأمل يحدوهم في الانتساب إلى هذا الإطار الذي لم يكن يشترط المؤهل للمسابقة ويقتصر الشرط على عدد من سنوات (الأقدمية)
أي سنوات الخبرة التربوية والممارسة الميدانية.
ولم يكن لديّ أيّ طموح أو نيّة في اجتياز هذه المسابقة.
ولكن أحد الأصدقاء لم يكن ليشارك فيها من دوني،
وصمّـم على ذهابي معه، فكان كثير الذهاب والإياب على بيتي...
لا يكاد يغادر حتى يعود برفقة بعض الزملاء ملحّين ومحفّـزين، وما فتئوا يستدلّون بالمقارنة بيني وبين فلان وفلان وفلان الذين نووا وأعلنوا المشاركة، وليس لديهم الخبرة الكافية والمعرفة بطرائق التعلم وبعلم النفس التربوي وعلم نفس النمو ومواضيعه التي كنت أطالعها باستمرار.
ولم يتركوا لي فرصةً للتردد، بل ولم يهدأ لصديقي بالٌ حتى وضعتُ ملف المشاركة رفقة ملفّه.
ويوم المسابقة حدث أمر يستحق الوقوف عنده،
إذ كان المترشحون يتناقشون خلال كل استراحة ويحللون الأسئلة ويتصوّرون إجابات تختلف باختلاف معارفهم ووجهات نظرهم،
أضف إليها غلبة الرأي الذي يطمئن إليه أكثريتهم ولو كان مجانبا للصواب (كل حسب خلفية الإنتاج الذي تركه للتصحيح)،
وكنت بدوري ألخص لهم ما اعتقدته إجابات صائبة، وأوجز لهم المنهجية التي اعتمدتها والشواهد والأدلة التي دعمت بها أفكاري،
فكانوا في أغلب المواد يسفّـهون ما كتبتُ ويتّـفقون على أن الإجابات المثلى هي التي قامت على تصوراتهم،
وأجمعوا على ابتعادي كثيرا عن مقاصد واضعي الأسئلة.
وأنا من الذين لا يفرضون الرأي بالنرفزة والانفعال، بل بالحجة والدليل اللتين كانتا تعوزاني في ذلك الوقت،
فكيف يصدقون صحة ما كتبته على أوراق الإجابة؟ وأنا مثلهم أنتظر تصحيح المصحح ونقطته؟
وكمثال على اختلاف الفهم ما ورد في التربية الخاصة، الذي نصه قريب من مثل هذه الصياغة:
{تلميذ يلتزم الهدوء والصمت داخل حجرة الدرس عندما تحادثه وتطلب رأيه لا يجيبك وكأنه أبكم، وفي ساحة المدرسة يتحول إلى ثرثار يتحدث في كل شيء، يفاوض على اللعبة ويختار نوع الرياضة التي يهواها ويرفض أو يؤيد القرارات الصائبة ، إنه في الساحة عبارة عن شحنة من النشاط تؤدي جملة من المهام....؟؟}
وكانت الأسئلة تطالب المترشح بتحليل الظاهرة وذكر أسباب تحول المتعلم من أبكم في الحجرة إلى ثرثار في الساحة؟
مع الاستشهاد بالطرائق والوسائل التربوية الناجحة ومراحل الدرس التي تدفع بالمتعلم إلى المشاركة الإيجابية في الحصة التعلمية.
فأما رفقائي، فأجمعوا على أن الموضوع يستهدف حصة النشاط الرياضي ودور الرياضة في الحياة المدرسية وفي التربية السوية للمتعلم،
وبيّنواالخطوات الناجحة لدرس في التربية البدنية.
أما أنا فاقتادني فهمي إلى التعبير الشفوي، فأوجزت مفهوم نشاط التعبير،
والوسائل التي تحفّـز المتعلم على إبداء رأيه وذكرت ثلاثا منها:
- إشراك المتعلم في تمثيل المواقف الحقيقية في القسم وكمثال على ذلك يمثل دور الخضار أو المتسوّق والاستعانة داخل الحجرة بنوع من السلع التي يمكن إحضار عينات منها (بطاطا، جزر، عدس....) وتكليفه مرة بدور البائع ومرة بدور المشتري الذي يدفع النقود ويطالب باسترجاع الصرف،
ويُــشجَّع على الحديث، ويُكلف في كل المواقف الأخرى بتبديل دور الشخصية، فقد يمثل دورا إيجابيا تارة ودورا سلبيا تارة أخرى،
فإشراكه في دور حيّ، يضطره إلى اكتساب الدربة على المحادثة قبل التعبير،
ويخـلّصه من الخجل والانطواء ويشعره كما لو كان في الساحة يتحدث ويعبر ويبدي رأيه....
- إشراكه في استنطاق مشاهد التعبير المغرية بما تتضمنه من ألوان ورسوم لافتة للانتباه...، وخلق الحوافز المؤدية للمنافسة،
والتشجيع على أن يدلي كل واحد بدلوه في استنطاق المشهد، وهذا يمنحه الشجاعة والصراحة في القول.
- تكليفه بإثراء الحصة بما يمكنه إحضاره بنفسه من البيت كالرسوم والمجسمات واللّـُــعَب وما يرسمه سواء على الورقة أو على السبورة فضلا عما يستطيع المعلم رسمه بيده أو يستعين بمن لهم موهبة في هذا الفن، فمثل هذه الوسائل تثير فضوله وتحرك ميوله،
وتقحمه في جو الحديث الصريح.
وشرحت بأن الخجول الأبكم عندما يوضع في موقف يستهويه، فإنه يتغلب على خجله وتردده، ويعبر ويبدي رأيه بصوت مسموع،
ويكتسب الدربة على ذلك بالممارسة والمران وكثرة التدريب، إلى أن يتخلى على انطوائه، فتتحول حجرة الدراسة إلى أشبه ما تكون بالساحة وبالسوق وبالمتجر، وهي الأماكن التي يشعر فيها الطفل براحته والانطلاق على سجيته.

وكانت تعاليق الزملاء على ما كتبت مثبطة، تنبئ أني راسب لا محالة، لأنني لم أكتب في الرياضة.
لكن السيد بن يخلف الدراجي رحمه الله، الذي كان جارا لي، جاءني يستفسرني عما أبليت فيه، فلما أعطيته المواضيع وركزت على موضوع التعبير الشفوي قال لي أنت الصح وهم الخطأ،
ولا تيأس من نجاحك فأنت أقربهم إلى الإجابات الصحيحة.
وصدق حكمه ونجحْتُ، بينما رسب زملائي جميعا بانسياقهم وراء ظاهر الكلمات، وغاب عنهم أن ينتبهوا إلى مطبّــات واضع الأسئلة،
فقد يكون النص حمّال أوجه، يحتمل أكثر من تفسير، ولكن اللبيب من يفتكّ من بين الثنايا مقاصد واضع السؤال.
النباهة كنز ثمين.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الأربعاء يونيو 06, 2012 6:41 pm

بسم الله وبه أستعين وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
ذكرى لا تنسى يوم 05 جوان 2012
طالما ما نوّهت في لقاءاتي التربوية مع المربين بضرورة استعمال وسائل الإيضاح متى استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وقد تقوم أشباه الوسائل والمجسمات والصور والرسوم .... مقام الوسيلة إذا كان المفهوم مبنيا، وأراد الأستاذ التوسع في الآثار والنتائج التي تتعمق وتتأكد عند توظيفه في سياقات جديدة، وفي المعرفة التي تتسع في شكل لولبي في السنوات الموالية.
متعلم الابتدائي حِسِّيٌّ بطبعه ونادرا ما ينزع تلاميذ السنوات السادسة إلى التجريد (عندما كان هذا المستوى مهيكلا في الابتدائي) على رأي المربي السويسري جان بياجيه.
إلا أن بعض المربين كانوا يتذمرون من هذه التوصيات والنصائح، ويعتقدون أنها ضرب من الأوهام والتهيئات التي لا تقدم أو تؤخر في العملية التربوية. بل إن بعضهم يشكك في أن المفتش ذاته لو أنيط به مهمة التعليم مع الأطفال، فإنه لا يولي الوسيلة اهتماما، ثم يتندرون بتوصياته على أساس أنها صيحة في واد وتعسف في حق المربي.
لكن رب صدفة خير من ألف ميعاد
مفاجأة يوم 25 جوان 2012 أذهلتني بقدر ما سرّتني وأثلجت صدري، ، عندما دعاني وشرّفني إخوة من مديرية التربية لمرافقتهم إلى مركز إجراء البكالوريا ببيضاء برج (إحدى بلديات الدائرة) محمّلين ببعض وسائل العمل الخاصة بالمركز ومدعُوّين إلى تناول وجبة الغداء هناك كما هو الشأن في كل مراكز الامتحانات على مستوى الوطن.
فانظم إلينا وفد من إطارات التربية، وفي الرواق هالنا الاستقبال الرائع والحفاوة البالغة من وجوه نيرة، ما كنت لأتعرف عليهم لو لم يُعَـرّفونا بأنفسهم/ السيد رئيس المركز عانقني وقال كيف حالك ياسيدي يا من علمتني في قسم السنة الخامسة ابتدائي سنة 1973 !!! كما عانقني أحد رفقاء دربه في الدراسة أستاذ مُسَخّر بالأمانة، تعرفوا عليّ بسهولة بينما لم أجد أي أثر لاسترداد ذكراهم، فقلت كيف عرفتموني ولم أعرفكم؟
لم تكن المفاجأة في اللقاء ولا في مكانه ولا في نوعية الأشخاص الحاضرين، رغم أن ذلك كله مدعاة للفرح والسعادة، ولكن المفاجأة كانت فيما تناوله رئيس المركز من إقرار واعترافٍ بالفضل لمعلمه، واعتراف زميله بهذا الدور الجلل للمعلم الناجح، فقد بيّـن رئيس المركز للحضور الكريم أن الأثر الطيب الذي يتركه المعلم الجاد في تلاميذه دور لا يُمحى ولا يزول.
وروى للحاضرين (ضيوفا ومؤطرين) قصة المعلمين الذين استفادوا من تكوين عند معلمه (عندما صار مفتشا) في العشرية الأخيرة، فالتقى بهم (التلميذ رئيس المركز) عقب انتهاء العملية التكوينية ، وسَمِعَهم يقوّمون منتوج المفتش داود، وأظهر بعضهم امتعاضه من التوصيات والنصائح التي خرج بها الملتقى ومنها توفير وإعداد ما يمكن من وسائل الإيضاح ومن أشباهها عند بناء الوضعيات التعلمية، لأن افتقار الدرس (للمدرك الحسي) لا يضمن التفاعل الكامل بين الجانب الوجداني والمعرفي والنفس حركي، وبدونها لا تنبني المفاهيم العلمية أو اللغوية أو الرياضية بناء سليما يستقر في ذاكرة المتعلم ويمده بتصور يقيني لما بناه أو شارك في بنائه، فينتفع به في محيطه وحياته.
يضيف رئيس المركز وكأنه لمس منهم تهكما على الوسيلة، ووصفوا المفتش بأنه غير منطقي ولو كان معلما مثلهم لما أحضر وسيلة ولا أرهق نفسه في تحضير أشباه المحسوسات، فالأكيد أنه يقول ولكنه لا يفعل؟ !!!!
المفاجأة كانت هنا:
تَدَخّلَ تلميذي العارف المثقف والذكي (السيد رئيس مركز الإجراء لا متحان البكالوريا) ليفحمهم ويقرّ حقيقة كانت خافية عنهم، وكنتُ نسيتها فذكرني بها : قال لهم أتعرفون بأن هذا الذي تتحدثون عنه هو معلمي في السنة الخامسة ابتدائي، واسمعوا وعُوا كيف كان يدرسنا مادة العلوم الطبيعية كمثال فقط وكانت ضمن دروس الأشياء، ومبرمجة في السنتين 5 و6 ابتدائي آنذاك.
عند تعرضنا للجهاز الدوري (الدم ، الأوعية، القلب) أحضر لنا قارورة مملوءة دما حقيقيا لخروف ومكّـننا من ملاحظة:{البلازما خلايا الدم الحمراء، خلايا الدم البيضاء، الصفائح الدموية..} ومكّننا من استنتاج المعرفة العلمية لهذا الدرس الذي لا ينسى.
وفي درس القلب: أحضر لنا قلبا حقيقيا لخروف ومنه لاحظنا واستنتجنا مفهوم البطين الأيمن، الأذين الأيمن، البطين الأيسر، الأذين الأيسر... واكتسبنا المعرفة بشكل صحيح ودائم.
وأضاف السيد التلميذ: وعند دراستنا للجهاز التنفسي أحضر داود الذي تنعتونه بالعيش في الخيال: (افّاد كامل كما يقال بالعامية) أي كل مكونات الجهاز التنفسي إضافة إلى الكبد والقلب... ومنه أدركنا مفهوم الأنف والقصبة الهوائية ودور الرئة...) بما يتواءم ومستوى س5
وواصل السيد رئيس المركز حديثه للمعلمين الذين شككوا في نصائح المفتش قائلا: هل تعرفون أن تدريسه لنا في السنة الخامسة خولنا النجاح في امتحان س6 عاما بعد ذلك؟ إذ لم نتحصل على معلم مستقر بسبب أن المدير هو من كلف بالتدريس ولم يستطع التوفيق بين التدريس والعمل الإداري، فقضينا سنة في اللعب واللهو ولكن المعرفة التي مَنَحَنا إياها السيد داود ضمنت نجاحنا 100 % في امتحان السنة السادسة عاما من بعد، وهذه شهادة من أحد تلاميذه.
ثم استمر في سرد الحادثة أمام المنتقدين من المستفيدين من التكوين، الذين وجموا واستغربوا هل كان داود جادا وحازما لدرجة أنه يفعل ما يقول؟ إذ لم يكونوا يدرون أن في زمانه كانت المحسوسات تلعب دورا في إثارة التعلم وتوجيهه لدى الناشئة، واعتذروا وعقدوا العزم على إعادة النظر في أساليب التدريس وإنتاج الوضعيات التعلمية.
هذه واحدة من المفاجآت السارة، وما أكثرها !!! إنها ترفع معنويات المتقاعد وتجعله يفخر بما قدمه في شبابه وكهولته أثناء أدائه لرسالة التربية، فالمتعة التي تستلذها عندما يذكرك تلاميذك أو معلموك بخير دون مواربة أو تزييف في السرد، هي شهادة من (شهود الدنيا) لما قمت به من عمل صالح، متعة لا تعادلها متعة وهذا هو الرضى (بعد رضى الله) الذي تسعد به في أخريات أيامك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
داود سعيد
كاتب متألق
avatar

العمر : 68
المدينة : عين أزال
الوظيفة : مفتش التربية متقاعد
البلد :
  :
تاريخ التسجيل : 04/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من مسيرة   الإثنين يونيو 11, 2012 10:18 am

أفواج تربوية من عجب !!!!

طيلة سنواتي في التعليم الابتدائي كنت أبحث عن ممارسة عملي مع كل مراحله للاطلاع على المناهج والطرائق ومميزات كل مرحلة، لمقارنتها مع النظري الذي نتلقاه من المؤطرين – إن وجدوا- أو من كتب التربية وعلم النفس....، ولذلك كان بعض مفتشي ذاك الزمان يأخذون معهم عند الترسيم عيّـنات من كراريس الأطفال بها تمارين منوّعة، تمس مختلف السنوات، (ويوظفونها ضمن الأسئلة الشفوية) ومن خلالها يختبرون قدرة [المعلم المترشح للتثبيت] على معرفة مستوى التلميذ، فيطالبونه بتصفح كراس أو اثنين وأكثر من ذلك إن لزم الأمر، وإبداء رأيه في المستوى الدراسي للمتــعلم (س1 أو 2 أو 3 ..أو 6) وتبرير المستوى المعرفي إن كان ضعيفا أو مقبولا أو متفوقا ، فينكب المترشح على تصفح الكراس وتقويم نوعية التمارين...، علما بأن الكراس يُشفّــرُ فلا يدوّن فيه اسم ولا مدرسة ولا سنة دراسية، والمعلم البارع يعتمد على ذاكرته ومدى اطلاعه على المناهج أو ممارسته الفعلية للمستوى ذاته.
ولعل أجيال المعلمين الذين انخرطوا في المهنة بعد انتشار التعليم الأساسي (المدرسة الأساسية) لم يخضعوا لمثل هذه الاختبارات التي تجبر كل واحد على الاطلاع والبحث في المناهج، واكتشاف التطور البسيط أحيانا بين مستوى وآخر، مثلما كان الشأن بين الخامسة والسادسة.
وبالنسبة لي كنت لا أرضى بالبقاء مع مستوى واحد أكثر من سنة وأبحث عن تدريس كل سنوات التعليم الابتدائي، فاحتككت بمختلف مراحله. وتمكنت من الاطلاع على كل مستوى أكثر من مرة، أي 4 أو 5 سنوات مع س6 و سنتان مع الثانية و3 سنوات مع الثالثة.... الخ، وللتوضيح فإن عدد الأفواج التي تسند للمعلم في سنة دراسية لا تقل عن فوجين اثنين لأن ساعات الفوج 15 ساعة وساعات العمل الفعلي للمعلم 30 ساعة. قد يكون الفوجان من مستوى واحد في مدارس كبيرة وقد يجمع المعلم بين فوجين ذوي مستويين مختلفين.
أتذكر في سنواتي الأولى من التعليم الابتدائي بعد الترسيم ، وبتوصية من المفتش، منحني المدير قسميْ السنة الخامسة والسادسة، 15 ساعة لكل مستوى، حيث كان معلم العربية يعمل 30 ساعة مع التلاميذ بالتمام.
وكنت في مدرسة مركزية في عاصمة الهضاب العليا، حيث يوجد عدد هائل من الأفواج في مستوى واحد، فأما قسم السنة السادسة الموكل لي للعمل معه (وكان من بين 5 أو 6 أفواج بالمؤسسة) فكان رائعا في مستواه ولم أتعب في تحقيق البرنامج المعدّ له وكان عدد التلاميذ 37 تلميذا فنجح منهم 36 والراسب الوحيد غاب يوم الامتحان بسبب مرض ألزمه بيته أو المستشفى لا أتذكر.
أما فوج السنة الخامسة فلن تصدقوا كيف كانت تركيبته؟؟؟
قبل تعييني بالمدرسة كان المدير وطاقمه من المستشارين أرشدوه إلى أن يجمع كل الراسبين الذين لا ينتقلون إلى س6 ويضيف إليهم بعض الفاشلين المنتقلين من س4 ، وإذا افترضنا أن عدد الراسبين المقترحين للإعادة من كل فوج 5 أو 6 راسبين من 6 أفواج فإن عددهم تجاوز 30 ؟؟ .
باشرت التقويم التكويني الذي يبين وضعية الانطلاق وتحديد المعلومات التي يمكن أن تستذكر أو تبنى من جديد، فتفاجأت أيما مفاجأة؟ جل التلاميذ ربما أكثر من 25 تلميذا لا يعرفون الحروف الهجائية في السنة الخامسة؟؟؟
اتصلت بالمدير فتبسم وضحك ثم ضحك آخرون، ولم ينبئني بالسبب؟ لكن تعرفي على المعلمين بعدئذ وعلى مستوى السنوات الخامسة الفعلي عند الزملاء الآخرين، صارحني بعضهم، إضافة إلى أني تقصيت الأمر من التلاميذ أنفسهم فوجدت أن كل 5 أو6 تلاميذ جاؤوا من عند معلم غير الذي تمدرس عنده الآخرون في السنة المنصرمة. فتأكدت أنهم رسبوا وجُمعوا من أفواج عدّة كما ذكرت.
ماذا يفعل معلم مع مستوى كان يفترض أن يقرأ النصوص ويحللها ويتعرف على الحال واسم إن وخبر كان...، ومساحة شبه المنحرف والمثلث ويحل المسائل؟؟؟؟ .
استخدمت الألواح على غرار السنة الأولى لمراجعة الحروف، واشتريت بطاقات الحروف المصورة مثل [ب بقرة] و[ ت تمرة]...، وبرمجت منهاجا جديدا يمزج بين محتويات ومهارات س1 وس2 وس3 ، لتعليم تلاميذ س5 القراءة والكتابة، وأهملت جل الأنشطة الأخرى؟
فكنت عند استدراجهم إلى استخراج حرف الشين مثلا وقراءته وكتابته والتعرف عليه ضمن حروف وكلمات أخرى، أعلّـق على جدار القسم صور أصوات من حرف الشين بجانب صورة شجرة، فينظر الضعيف إلى الصورة التي توحي له بالصوت المقصود، وهكذا مكّــنت جلهم من الربط بين الصور الذهنية والسمع والنطق والحركة ومن هضم حروف العربية التي لم يتعرفوا عليها من قبل. وبقيت على هذا الحال ما يقرب من شهرين، أنقذت خلالها نسبة كبيرة صاروا يكتبون ويقرأون، ويتضح حسن أدائهم من خلال الإملاء الذي كنت أهتم به كوسيلة تقويم تبين مدى الاستيعاب الذي بلغوه.
وللعلم فإن مكتب المفتش كان ملتصقا بالمدرسة ورغم ذلك لم أرفع إليه شكوى المستوى ولا انتظرت رأيه في كيفية معالجة هذا المأزق.
في الفصل الثاني ارتقى مستوى جل التلاميذ واكتسبوا أساسيات القراءة والكتابة مما شجعني على إقحامهم في قراءة ودراسة نصوص تستدعي التحليل والتأويل والفهم، كما أخذت بأيديهم إلى التصدي للأنشطة العلمية والرياضية وغيرها، ولكن انطلاقا دوما من المدركات الحسية.
في هذه السنة أرسل مفتشون (لا أعرفهم ولا يشرفون على المقاطعة) أفواجا من المتربصين الجدد لينقلوا الخبرة ويستفيدوا من التوثيق (التحضير والإعداد)، وللأمانة كانوا ينقلون عني صورة جيدة لمفتشيهم المؤطرين في الملتقيات، فصرت محط أنظارهم يوجهون المتربصين إلـــــيّ زرافات ووحدانا، وللتاريخ أيضا أؤكد أنني كنت أتقاضى مقابلا ماليا يدفع مباشرة مع الراتب، وعندما سألت عن ذلك؛ قيل لي : إن المعلمين المطبقين جميعهم يتقاضون مقابلا لأتعابهم، مع أني لست مطبقا !!!! ولكني كنت أفيد وأستفيد.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
لمحات من مسيرة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات التربية والتعليم عين آزال :: القسم التربوي العام :: منتدى المربين المتقاعدين-
انتقل الى: